المبتكرون في الشرق لا يشكلون تهديداً للغرب
الابتكار كلمة مثل الديمقراطية. كل شخص يفضلها، لكن الناس على اختلاف تفكيرهم يعطونها معان مختلفة. أحياناً تُستخدم الكلمة لوصف أي شيء يميز منتجاً عن آخر، أو عملية عن أخرى. وفي أحيان أخرى يعتبر الابتكار ما ينتجه الرجال ذوو المعاطف البيض، الذين يُجرون تجارب غريبة ورفيعة في مختبرات التكنولوجيا الأحيائية أو الإلكترونيات.
هل تعتبر شركة إيزي جيت شركة مبتكِرة؟ هذه الشركة، إلى جانب شركة ريانير، عملت على تحويل سوق الطيران الأوروبية. لكن كلما قامت به سبق لجهة أخرى قامت به من قبل، كما أن المنتج والعمليات بأكملها كانت قريبة من الجهود الرائدة التي قامت بها شركة ساوث ويست إيرلاينز في الولايات المتحدة.
لا توجد فائدة من المجادلة حول التعريف الصحيح لكلمة الابتكار. الأمر المهم هو أن الناس يفهمون ما يقولون عندما يتحدثون فيما بينهم. التحول الذي يحدث كثيراً، لكن على نحو غير ملحوظ، بين المعنى الواسع والمعنى الضيق ربما يكون مضلِّلاً بصورة كبيرة. العموميات التي تقال حول أهمية الابتكار في خلق الميزة التنافسية في الأعمال تترجَم إلى سياسات محددة لتخصيص الأموال لدعم الأبحاث والتطوير وترويج أنواع معينة من التعليم العلمي.
في كتاب مهم صدر حديثاً بعنوان "الاقتصاد الميال إلى المخاطر" Venturesome Economy، من تأليف أمار بيديه Amar Bhidé (أستاذ إدارة الأعمال في جامعة كولومبيا)، توصف السياسات التي من هذا القبيل بـ "القومية التكنولوجية". هذا التعبير مشتق من الاعتقاد بأن النمو الاقتصادي يعتمد على التكنولوجيا المتطورة، وأننا سنستفيد استفادةً تامة لو أن هذه التكنولوجيا المتطورة كانت ملك أيدينا. القومية التكنولوجية منتشرة في أوروبا، التي تعتقد أنها متخلفة عن الركب، مثل انتشارها في الولايات المتحدة، التي تخشى من أن يلحق بها الآخرون ويتفوقوا عليها. لكن التخوف من أن الازدهار الاقتصادي الغربي مهدد بالطوفان الصيني من خريجي كليات الهندسة ليس فقط مبالغاً فيه، بل ربما يكون عكس الحقيقة.
المغالطة الأساسية في فقاعة الاقتصاد الجديد كانت هي أن معظم المنافع العائدة من التكنولوجيا الجديدة ستعود إلى الشركات الرائدة. لكن التجربة المتكررة من التاريخ الاقتصادي هي أن المنافسة تضمن أن الجزء الأكبر من المنافع المتحققة من هذه التكنولوجيا يستفيد منها المستخدمون. اقترح الاقتصادي الأمريكي بيل نوردهاوس (أستاذ الاقتصاد في جامعة ييل)، في حساب لا مفر منه، الاعتراف بأنه ينطوي على ضرب من التخمين، أن المستهلكين يحصلون على أكثر من 97 في المائة من قيمة الابتكارات.
ما ينطبق على الشركات ينطبق على الدول كذلك. تتمتع الولايات المتحدة بمركز ريادي عالمي في تكنولوجيا المعلومات، لكن منتجات هذه التكنولوجيا متاحة في كل مكان مع تأخير طفيف للغاية. وهي متاحة بصورة رخيصة. ورغم أن أرباح "مايكروسوفت" تعتبر هائلة بالأرقام المطلقة، إلا أنها أقل من 0.1 في المائة من الدخل القومي للولايات المتحدة وأوروبا.
هذا هو السبب في أن الاقتصادي بول رومر (أستاذ التنمية الاقتصادية في جامعة ستانفورد) يستطيع أن يقول: "في 1985 دفعت ألف دولار مقابل كل مليون ترانزستور للذاكرة في جهاز الكمبيوتر الموجود لدي. في 2005 دفعت أقل من عشرة دولارات لكل مليون ترانزستور، ومع ذلك لم أقم بأي شيء لأستحق هذه الثروة الهابطة من السماء، أو للمساعدة في تسديدها". لكن البروفيسور بيديه ليس واثقاً إلى هذا الحد من أن رومر لم يقم بأي شيء ليستحق ذلك، وأنا أشاركه الرأي.
الأمر الذي يميز الولايات المتحدة ليس هو تكنولوجياتها المبتكِرة، وإنما ما نراه من ابتكار لدى شركات التصنيع الأمريكية وكذلك شركات التجزئة والمستهلكين. يتم التوصل إلى الاكتشافات في بيئة تكون مستجيبة للأفكار، وجاهزة لاعتناق التغير، وراغبة دائماً في تجريب أشياء جديدة. الأشخاص الذين يرجح لهم اختراع الأشياء يريدون أن يكونوا جزءاً من ثقافة تكون مفتوحة للتجديد، والثقافات المفتوحة دائماً للتجديد هي الثقافات التي تكافئ المبتكرين أفضل من غيرها. وهذا هو السبب في أنه يوجد الكثير من أصحاب المشروعات من أصول صينية وهندية في الولايات المتحدة ـ وفي بريطانيا ـ حتى في الوقت الذي يتم فيه تحويل المزيد والمزيد من الأعمال العادية إلى مقاولين في الصين والهند.
الطلاب الأمريكيون المزعجون المستعدون لتحدي كل قول يلفظه المدرس يُعتبَرون النقيض للطلاب من البلدان الأخرى الذين يعتقدون أن هدفهم هو التسجيل الأمين لكل حكمة تخرج من أفواه مدرسيهم. هؤلاء الطلاب الذين يتمتعون بطلاقة في الكلام والتفكير في مدارس إدارة الأعمال هم الشوكة التي تقض مضجع كل أستاذ في مدارس الأعمال العليا. لكنهم كذلك هم الناس الذين يجعلون الشركات الأمريكية شركات عظيمة.
النجاح التجاري والاقتصادي، حتى في الصناعات التكنولوجية يعتمد ليس على مستوى التكنولوجيا، وإنما على التوافق بين التكنولوجيا واحتياجات مستهلكيها. وهذا هو السبب في أن القدرات التكنولوجية المتنامية للصين والهند تخلق بالنسبة للشركات الأمريكية والأوروبية قدراً من الفرص التجارية يفوق التهديدات.
لا يوجد تعليقات