البنوك المنهارة تضع الدولة مرة أخرى في مقعد القيادة
هذه الأيام نشاهد مجموعة من الممارسات المنهجية القديمة، كما نشاهد شيئا من الخيلاء والغرور. في الأسبوع الماضي وعد باراك أوباما بإنفاق مئات المليارات من دولارات دافعي الضرائب لدعم الاقتصاد الأمريكي الغارق. وأعلنت الحكومة البريطانية التي يرأسها جوردون براون أنها ستتقاضى أكثر من الأغنياء كي تدفع تكاليف حزمة الإنقاذ الاقتصادي.
وبين هذا وذاك، أوشكت إدارة بوش على تأميم سيتي جروب، أكبر بنك في العالم. إضافة إلى ذلك، ألقت بمبلغ آخر، نعم مبلغ آخر، نحو 800 مليار دولار، في خضم جهودها لإذابة الجليد عن أسواق الائتمان الأمريكية. وفي أي مكان تنظر، تجد "إدارة الطلب" الكينزية تحل مكان "اليد الخفية" لآدم سميث. وأصبحت طباعة النقود، الخطيئة المميتة بحسب "إجماع واشنطن" المنقسم، الحصافة الجديدة.
ثمة أمر كبير يحدث. فما بدأ سلسلة من الاستجابات العملية المرتجلة من جانب الحكومات والبنوك المركزية يعمل الآن على إزالة الحدود بين الدولة والأسواق. والسياسيون الآن يغطون النفعية بالأيديولوجية. ولم تعد كلمة الحكومة تعني شيئا سلبيا في عالم المال.
يمكن أن تتحرك الأمور على نحو أسرع في الأشهر المقبلة. ومع برامجهما العديدة للإنقاذ، وضمانات القروض، فإن الحكومتين الأمريكية والبريطانية قامتا تقريباً بتأميم أنظمتهما المصرفية ذات العلاقة. وتتظاهر البنوك بأنها ما زالت مساءلة أمام مساهميها، غير أن الأمر مجرد تمثيلية، فهي موجودة الآن بسبب الضمانة المالية الواضحة المقدمة من جانب الدولة فقط.
رغم ذلك تبقى الأسواق مجمدة، حارمة قطاع الأعمال من أكسجين الائتمان. وما لم تتغير الأمور خلال فترة وجيزة، لن يكون أمام السياسيين أي خيار سوى أخذ زمام السيطرة المباشرة، ومن المحتمل أيضاً أخذ ملكية البنوك. ويمكن أن يكون التأميم التصرف الأول لرئاسة أوباما. ومن شأن ذلك على الأقل أن يضيف بعض الجوهر إلى جميع أوجه الشبه هذه مع تعويضات الودائع الفيدرالية.
أي كان الأمر، فإن الحقيقة البسيطة المتمثلة في أن الملكية العامة ينظر إليها على أنها خيار خطير - قال مارفين كينج، محافظ بنك إنجلترا، شيئا بهذا المعنى الأسبوع الماضي – تكشف لك مدى ابتعادنا عن المناهج الحرة التي دأبنا عليها في العقود الحديثة. وما تم الترحيب به على أنه الرأسمالية المالية الجديدة، يفسح الطريق الآن أمام الاتجاه عتيق الطراز للدولة. وفي الوقت نفسه السياسيون يستعيدون بعضاً من لغة ذلك العصر السابق: لم تعد الضرائب الأعلى على الأثرياء أمراً محرماً، وتمت إعادة تأهيل الأنظمة، ويمكن للأسواق أن تفشل.
يبدو أن المسيرة باتجاه الأنموذج الأنجلو ـ أمريكي للرأسمالية المتحررة (دورا صغيرا للحكومة، وحصافة مالية، وتخفيفاً للأنظمة، وأسواقاً مرنة ومفتوحة) حددت بالأمس فقط، شكل وإيقاع الاقتصاد العالمي. وحاربت الحكومات الأوروبية إجراء دفاعياً منذ أمد طويل ضد ما يطلق عليه أحد أصدقائي الفرنسيين الرأسمالية المفرطة "الأنجلو – ساكسونية". لكنها جميعاً قامت إلى حد ما، بإجراء تعديلاتها الخاصة.
في الولايات المتحدة وبريطانيا، تعلم يسار الوسط أن بإمكانه أن يفوز بالانتخابات بقبول تسوية ريجان – تاتشر فقط. وكتب بيل كلينتون، وهو ديمقراطي، نعي الدور الحكومي الكبير.
في بريطانيا بنى توني بلير، بمساعدة ودعم من جانب براون، النجاح الانتخابي لحزب العمال الجديد على الوعد بأن الحزب كان صديقاً للطموحات الفردية بقدر ما هو صديق للعدالة الاجتماعية. وللتدليل على ذلك، وعد بعدم رفع المعدل الأعلى للضريبة على الدخل من 40 في المائة الذي حددته حكومة تاتشر في التسعينيات. أما بالنسبة للأسواق، فلم يكن هناك من هو أكثر استهزاءً من بروان بالأنموذج الأوروبي القاري لرأسمالية السوق الاشتراكية الأكثر تنظيماً.
كان ذلك في السابق. أما هذا الأسبوع، فإن براون قال إنه ينوي رفع المعدل الأعلى للضريبة على الدخل إلى 45 في المائة. ومن شأن ذلك أن يكون الخط الفاصل الجديد مع حزب المحافظين المعارض الخاص بديـفيد كاميرون. سيزيد الإجراء جزءاً فقط من العوائد اللازمة لوقف النزيف المالي العام للبلاد. وما يهم هو الرمزية السياسية: بالنسبة لبراون العدالة تتفوق على الطموح الآن.
حتى فترة قريبة كان من الممكن القول إن إنقاذ النظام المالي كان محسوباً لإنقاذ، وليس إغراق، الرأسمالية الليبرالية. وبعد أن يمر الاقتصاد العالمي في مراحل الانكماش، فإن النظام سينجو من الصدمة دون مساس إلى حد ما.
إلى حد ما، هذا الافتراض ما زال صحيحاً. وما زال ينبغي أن أرى اقتصادياً يتسلق منبراً كي يدعي الحجة الأيديولوجية لتأميم البنوك. وعد أوباما بتنفيذ استراتيجية روزفلت لإعادة بناء البنية التحتية لأمريكا، لكنه كان حذرا عند الحديث عن النشاط الخاص وكأنه المقابل للدور الحكومي الكبير.
كان الأعضاء البارزون في الفريق الاقتصادي لأوباما من بين أكثر المبشرين المتحمسين للأسواق الحرة خلال رئاسة كلينتون. ولم يصوت "مين ستريت" في أمريكا لإلقاء الطفل الرأسمالي في مياه استحمام المصرفيين.
حتى عندما يُلقي برموز حزب العمال الجديد بعيداً، فإن براون أيضاً يخشى من الإشارة إلى أن الحكومة يجب أن تسيطر أكثر على حياة الناخبين العاديين. وبعد موجة من العناوين السيئة، فإن داوننج ستريت يصر الآن على أن فرض ضرائب أعلى على الأثرياء يمثل "إجراء استثنائياً في أوقات استثنائية".
إن الحذر أمر مفهوم. ويريد الناخبون الأمن مقابل رأسمالية الغرب المتوحش. ولا يريدون أن تخنقهم الدولة.
لأجل كل ذلك تتغير الحدود وتحدث الانفجارات رد فعل معاكس دائماً. وفي أغلب الأحيان يتم نسيان كل شيء عند النهوض لاحقاً. لكن هذه المرة الأمر أكثر من مجرد الشعور بالآثار السلبية لما بعد الثمالة، إذ إننا سنلمس عواقب انهيار عام 2008 حتى بعد التعافي النهائي.
الأمر المؤكد هو أن البنوك ستكون تحت إدارة الدولة، إن لم تكن مملوكة لها، لفترة طويلة للغاية. أما الرأسمالية القديمة (وأعني بذلك التنوع الذي أطلقنا عليه حتى هذا العام، الرأسمالية "الجديدة")، فإنها تأسست على نظام مالي ابتكر وفرة لا تنتهي من الائتمان الرخيص. وسيستغرق الأمر أكثر من مجرد دورة في الاتجاه الصاعد قبل أن يسمح السياسيون مرة أخرى للبنوك بأن تقوم بصنع الأموال بهذا الحجم الملحمي.
سيتطلب ذلك تعديلات هيكلية عميقة في الاقتصادات التي بقيت عائمة على بحر من الائتمان. وستجد الولايات المتحدة، وبريطانيا، واقتصادات "الطفرة – الانفجار" الأخرى أن العالم لم يعد راغباً في تمويل طفرات الإسكان والاقتراض المحلية الخاصة به. أما الناخبون فسيستوعبون الرسالة على أنها لم تعد حقيقة واضحة من حيث إن الأسواق الأكثر تحرراً توفر ازدهاراً دون الشعور بالألم.
يتمثل الخطر في أن تمضي عملية وضع المعايير من جديد إلى حد بعيد للغاية: بأن يتعرض المستثمرون ورجال الأعمال إلى العقاب ذاته الذي تعرض له المصرفيون الاستثماريون، وأن تصاحب المؤشرات المقيدة محلياً حمائية اقتصادية في الخارج. وكي لا ننسى، رغم جميع عيوبه الواضحة، فإن نظام التجارة الحرة أنقذ مئات الملايين من السكان من الفقر الشديد.
الأسواق فقدت سحرها، لكننا لا نعلم ما إذا كان بإمكان أوباما أن يعيد تأهيل الحكومة على نحو مناسب. ولذلك شكل التسوية الجديدة غير واضح بعد، لكن المؤكد أن الأمور لا يمكن أن تبقى كما هي.
لا يوجد تعليقات