يروي الدكتور صائب شحادات الكثير عن مصيبة التدخين السلبي، أي المجبر على التدخين مع المدخنين والحشاشين، وجماعة الأراجيل الذين يزعمون أن الأرجيلة عطر وروعة وحشيش ونبوغ وصعود للملأ الأعلى، وليس أنهم الضارون المضرون المفسدون في الأرض وهم لا يشعرون، وإذا قيل لهم: (لا تؤرجلوا) قالوا إنما نحن مصلحون؟ إلا إنهم هم المفسدون ولكن لا يعلمون؟
قال الطبيب شحادات: إن ما حزّ في نفسي بعد عودتي من الغرب هذا العام أن أرى تفشي التدخين بين النساء في العالم العربي في ظاهرة تنبئ أن المجتمع يسير نحو الهاوية!! إذ بينما عاد الغرب منهكاً من السير في هذا الطريق وراح ينفق الملايين من الدولارات للحد من التدخين وسنّ القوانين العامة التي تضيق الحصار على المدخنين، نجد أن العالم العربي معزولٌ كلياً عما يجول حوله، وكأنما تلك الثورة الحضارية التي جاء بها الإنترنت ووسائل الاتصالات الحديثة لم تبن بعدُ جسور التواصل الخلاق الذي يحد من تكرارنا لمآسي البشرية والعالم من حولنا.
لقد رأيت كيف انحسرت السيجارة في التسعينيات من أروقة المشافي ومحطات وسائط النقل العامة، وكيف سهر رجال الأمن هناك على تنفيذ القوانين التي تحول الاستهتار بالصحة العامة، ثم رأيت في الولايات المتحدة الأمريكية خطوة أكثر حضارية من ذلك حينما قررت بعض إدارات المشافي والمراكز الطبية، ومنها المركز الذي كنت أعمل فيه في ولاية كنساس، في مطلع هذا العام أنها مناطق حرة من التدخينFree Smoking Zone لا في أروقتها الداخلية فحسب، بل في مرافقها الخارجية أيضاً كالحدائق ومواقف السيارات!!
وأمران آخران أود أن ألفت الانتباه إليهما هنا علني أجد آذاناً صاغية وقلوباً واعية مبصرة، أما الأول فهو أن انتشار النرجيلة في العالم العربي أمرٌ جد خطير. وقد سوغ لهذا الأمر وزينه في قلوب الناس - وخاصة الشباب- بعض الجاهلين من أصحاب المقاهي الذين انتفخت جيوبهم من الرواد الذين يتناولون النراجيل ليل نهار زاعمين أنها غير مضرة بالصحة "لأن الماء المستخدم ينقي الدخان و يزيل أضراره التي توجد عادة في السيجارة"!! و الحقيقة أن أضرار التدخين عامة جاءتنا كأطباء من الأبحاث العلمية التي أجراها الغرب الموضوعي، والذي عانت مجتمعاته باكراً من السيجارة، لم يعرف الغرب بعد النرجيلة ليدعو علماؤه لإجراء دراساتٍ مستفيضة حولها، أما العالم العربي الذي تسرح النرجيلة و تمرح في جنباته فقرر أن يُعلن سلامة النرجيلة بمحاكةٍ ساذجةٍ صاغها انتهازيون طامعون للثراء السريع من جيوب شباب لا هم لهم إلا إضاعة الأوقات والتسكع في الشوارع والمقاهي. وأرجو أن أرى هذا اليوم قريباً في أبحاثٍ علمية موضوعية تنال مشاكلنا الحياتية اليومية.
الأمر الآخر المهم في مجال التدخين هو أن أضرار التدخين في أمراض القلب و السرطان إنما تقاس بعدد السجائر المستعملة يومياً من قبل شخص بالغٍ يزن 70 كيلو جراما. و ما أريد الإشارة إليه هنا أن يافعاً يزن 30 كيلو جراما قد ينال أكثر من ضعف الخطر الذي يناله الأول!! ولنا أن نتصور الخطر المحدق بالرضع الذين لا تتجاوز أوزانهم بضع كيلوجرامات حينما يعيشون في أكناف آباءٍ مدخنين ينفثون سمومهم داخل البيوت غير آبهين بصغارهم الذين يعيشون معهم. ولعل نظرة فاحصة للواقع تفسر لنا السبب في كثرة الجلطات القلبية والسرطانات المبكرة عند شبابنا الذين لم يتجاوزوا الثلاثين بعد من العمر، وكيف خطفهم الموت في ريعان الشباب بعدما تكدست السموم في أجسامهم منذ نعومة أظافرهم. فهل من مدّكر؟
وأنا بدوري أقول: "ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون، لقالوا إنما سكرت أبصارنا، بل نحن قوم محسورون".
