حين يريد إنريكو براكالينتي أن يزور مزوديه الرئيسيين، فإنه لا يضطر إلى السفر بعيداً، فالمصانع العشرون المسؤولة عن مراحل التصنيع النهائية لجميع الأحذية التي يبلغ عددها نحو ثلاثة ملايين، التي تهدف شركة براكالينتي إلى إنتاجها في هذه السنة، إذ تقع ضمن 30 كيلو متراً من مكتبه الرئيسي في مونتي سان بيترا نجيلي، جنوبي إيطاليا.
يقول براكالينتي وهو رئيس تنفيذي لشركة باج BAG، وهي شركة أحذية أسسها مع اثنين آخرين قبل 33 سنة: حين نلتقي (شركته والمزودون) يكون الأمر مثل أسرة كبيرة.
وقد تبدو مثل هذه العلاقات الوثيقة جداً غريبة في عالم حافل بالعمليات المعولمة، لكن بالنسبة لبعض الشركات، حتى تلك التي تواجه منافسة عالمية شديدة، فإن الفرق بين النجاح والفشل يتجذر في علاقة محلية، وفيما يلي أربع حكايات تظهر كيف يمكن لعلاقة محلية أن تساعد الشركة على البقاء، أمام منافسة شركات عالمية منافسة أقوى.
مزود الحي
يقول براكا لينثي إن الفكرة المتمثلة في أن على الشركات الصناعية الأوروبية أن تسعى دائماً إلى تقليص التكاليف بإخراج الإنتاج من القارة، فكرة عفا عليها الزمن وليست في محلها، فهي لا تنتج أفضل نتيجة دائماً، بالنسبة للنوعية أو تسمح للشركات بالاستجابة للتغيرات في الطلب، حسبما يقول.
وشركة باج BAG التي تبيع أحذيتها تحت العلامة التجارية نيروجيارديني NeroGiardini، حققت في العام الماضي مبيعات بلغت قيمتها 155 مليون يورو، لديها 200 موظف، معظمهم في مقر الشركة، ويعمل 1700 موظف آخرون في مصانع التزويد العشرين للشركة في المنطقة المحيطة بها.
وتركز الشركة ومزودوها على تجميع الأحذية، وهي مهمة نادرة في أوروبا، لكن براكالينتي يقول إن هذا يعطيه مصدراً مهماً للمرونة، والقدرة على إدخال تغييرات سريعة في تصميم الحذاء، ويجري صنع أكثر من نصف الأجزاء العليا من الأحذية في دول متدنية الكلفة مثل صربيا وتونس، وتصنع بقية الأجزاء العليا ونعال الأحذية، محلياً، والترتيب يعني أن تكاليف التشغيل أقل من التكاليف البديلة، لو أن 100 في المائة من الإنتاج تم في إيطاليا.
ولأن مثل هذا الجزء الكبير من أحذية الشركة يصنع من قبل مزودين محليين، فإن هذا يمكن براكالينتي من الاستفادة من شعار "صنع في إيطاليا"، وهو يقول : هذه ميزة تسويق حقيقية.
وجود المزودين قريبين يعني أن مشكلات الإنتاج تحل بسرعة، وهنا يقول براكالينتي: يمكن لفنيينا أن يذهبوا ويزوروا المزودين في أغلب الأحيان، خلال نصف ساعة فقط.
وبالنسبة لبراكالينتي فإن تقسيم مهام التجميع بين شركة باج BAG وكثير من الشركات الخارجية، مصدر قوة وليس نقطة ضعف وهو يقول: لا أعتقد أن بإمكانك أن يكون لديك شركة كفوءة تستخدم 2000 شخص، فإذا قسمت العمليات إلى وحدات اصغر، تستطيع أن تكون منتجاً ومرناً بينما تبقى التكاليف متدنية.
إغراء السوق
في أواخر تسعينيات القرن الماضي، لمح ين ويدونج، مؤسس شركة ساينوفاك بيوتك Sinovac Biotech، فرصة ليصبح أول منتج محلي في الصين للقاحات المتخصصة.
يقول ين: إنني طبيب ورجل أعمال في الوقت ذاته، كنت دائماً مهتماً بالحد من انتشار المرض، لكنني استطعت أيضاً أن أرى الفرصة باستغلال السوق، بصنع شيء في الصين لم يسبق لأي شخص من قبل فعله على نطاق كبير.
وما أدركه أن سوقاً لمنتجاته بدا مضموناً إذا أمكن تصنيعها بطريقة يعوّل عليها، وكانت الحكومة الصينية متحمسة لتشجيع منتج على لقاحات لالتهاب الكبد، إذا كان ذلك سيؤدي فقط إلى تقليص اعتماد البلاد على شركات الأدوية الأجنبية التي كانت تتقاضى أسعاراً عالية.
واستخدم ين معرفته لوكالات الصحة المحلية – حيث كان قد عمل خلال أوائل حياته العملية السابقة كعالم - لتسريع بيروقراطية الشهادات الحكومية للقاحات، وجاء نحو 85 في المائة من المبيعات من اللقاحات التي بيعت لالتهاب الكبد "أ" و "ب" التي كانت تباع في الصين، بأسعار تبلغ نحو 30 في المائة من أسعار اللقاحات المستوردة من شركات منافسة مثل أفانتيس وسانوفي وجلاكسو سميث كلاين Sanofi – Aventis و Glaxo Smith Kline.
تقول شركة ساينوفاك إنها تريد توسيع مبيعاتها خلال السنوات القليلة المقبلة لتشمل بلداناً أخرى. ويقول ين: أود أن أطور الشركة حتى تكسب في نهاية المطاف 50 في المائة من عائداتها من أسواق أخرى.
قاعدة تطوير محلية
شركة فارفيلد Farfield – وهي شركة مقرها في بريطانيا تصنع أدوات علمية لم يسبق لها مثيل، تقيم نشاطاتها العالمية أيضا على حلقة محلية قوية – علاقة خاصة مع العلماء في جامعة ديرهام، في شمال شرق إنجلترا الذين خرجوا بأفكار كانت وراء الشركة حين أسسوها قبل إحدى عشرة سنة.
يقول جيري موسجريف، الرئيس التنفيذي للشركة التي تتخذ مقرها في كروي، التي حققت في العام الماضي مبيعات بلغت نحو مليوني جنيه استرليني، كان 80 في المائة منها صادرات: إننا نقدم على كثير من تبادل الأحاديث المفيدة مع الفيزيائيين وعلماء الكيمياء الحيوية في ديرهام، الذين يستطيعون أن يساعدونا على تجربة مفاهيمنا وأفكارنا الجديدة.
والأدوات التي تورها شركة فارفيلد تستند إلى اختراقات تحققت في ديرهام، في قياس كيف تتغير خصائص ضوء اللايزر التي تشبه الموجات حين يصيب ذرات عضوية، وهذا يساعد الشركة على الخروج بأفكار حول علاجات أدوية جديدة.
يقول موسجريف: يمكننا أن نرى بالأدوات ما يصل إلى أشرطة الفيديو لما يجري في الجسم – بدقة متناهية تقاس بالبيكومترات (جزء من ألف مليار متر)، وهذا نوع من الأدوات التي نعتقد أننا حققنا بها قدم السبق عالمياً.
اعرف زبونك
شركة هدسون بريسشن برودكنس، شركة عمرها 102 سنة، مقرها في شيكاغو، وهي تصنع مكونات هندسية متخصصة، ولها أكبر سوق محلية: إنه الولايات المتحدة بأسرها.
وبوجود 85 موظفاً ومبيعات تحققت في العام الماضي وبلغت تسعة ملايين دولار، فإن العامل الحاسم الذي يحرك عملياتها هو ارتباطها بمجموعة من نحو عشر شركات في شرقي الولايات المتحدة، التي كانت الشركة تزودها منذ أكثر من 35 سنة.
تقول خوان رين الرئيسة التنفيذية للشركة البالغة من العمر 72 سنة: إنني في كثير من الأحيان أتحدث مع الناس الذي عملوا مع والدي أو مع جدي (من بين زبائن هدسون).
وواحد من زبائن هدسون الأمريكيين منذ زمن طويل هو منتج للمايكروفونات، وهذه تشتري مكونات دقيقة من الشركة الكائنة في شيكاغو. وتقول رين: قالت لنا هذه الشركة التربوية إنها تواصل الشراء منا، لأنها إذا حاولت جعل أي جهة أخرى تصنع ما تشتريه، فإن المكونات تجعل المايكروفون يحدث أزيزا، ولسبب ما، ربما لأننا نعمل من فترة طويلة جداً، فإننا نستطيع أن نصنعها بالطريقة السليمة.
وهذه العلاقات ساعدت الشركة على دخول مجالات أخرى، مثل الأجهزة الطبية، وتقول رين: إن التأكيد على حل المشكلات لهؤلاء الزبائن المحليين، كان أمراً أعطانا الخبرة والبراعة الضروريتين لإبقائنا في هذا المجال، في مناخ أصبح بالغ الصعوبة بالنسبة لكثير من المصنعين الأمريكيين.
وفي عالم معولم ينبغي ألا يكون وجود مجموعة متناثرة على نطاق واسع من الزبائن والمزودين كل ما في الأمر، فالعلاقة المحلية القوية المستخدمة لبناء شركة أقوى هي مصدر قوة ينبغي ألا يعد شيئاً مضموناً.

