الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 9 يونيو 2026 | 23 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

تخلصوا من نصف القرارات ذات الخطورة الفائقة

ستيفن شتيرن
ستيفن شتيرن
الثلاثاء 2 ديسمبر 2008 3:58
تخلصوا من نصف القرارات ذات الخطورة الفائقة

صباح الخير أيها السيدات والسادة، ومرحباً بكم على متن طائرة "شليب" في الرحلة رقم 41108 المتجهة إلى شنغهاي. ستتحرك الطائرة إلى الخلف خلال فترة قصيرة ثم تسير على المدرج الشرقي استعداداً للإقلاع.

خلال فترة قصيرة سنعرض عليكم فيلماً عن السلامة، وسيكون أفراد الطاقم جاهزين لتوضيح عدد من السمات الأساسية. نرجو منكم تجاهل كل هذا الكلام الفارغ. أعني ما الهدف من ذلك؟ إذا كانت الطائرة معرضة للسقوط فهل تظنون أن خلع الأحذية ذات الكعب العالي أولاً سيحول دون ذلك؟

أرى أن البعض منكم يشعرون برغبة في وضع الصحيفة جانباً والتظاهر بالإصغاء.

أرجو ألا تفعلوا ذلك. إنكم لا تخدعون أحداً بذلك، والواقع أن زملائي سيشعرون بأنكم إنما تفعلون ذلك من باب الاستخفاف بهم. لماذا في رأيكم تجدون هذه النظرة على وجوههم حين يقومون بكل هذه الأمور؟

لذلك أرجو منكم الاسترخاء ومحاولة الاستمتاع بالرحلة. أغلب الظن أن الأمور ستكون على ما يرام. وعلى العموم فما الداعي إلى القلق؟ الاحتمال كبير بأن الأمور ستكون لمصلحتنا...

شركة خطوط شليب الجوية لا وجود لها، ولكن لو كانت موجودة فعلاً فإنني أشك في أن المسافرين على متن طائراتها سيرحبون بالإعلان الذي من هذا القبيل. يمكن للإنسان أن يشعر بالأذى إذا أُعطِي قدراً يفوق الحد من الواقع، خصوصاً في اللحظات الحساسة قبيل الإقلاع.

أحياناً نخاطر بأن تُحمَل أقوالنا على محمل الجد الزائد عن الحد. هذا موضوع حساس في القطاع البنكي في الوقت الحاضر. هذه ليست أياماً عظيمة لسمعة مديري المخاطر المالية. إن النماذج التي يستخدمونها لتحديد "القيمة الخطرة" في البداية أغرت المصرفيين للشعور بإحساس كاذب (وخطر) بالأمان، ولكنها الآن تسبب التشنجات في النظام المالي.

في تقرير جديد من شركة الاستشارات "بوز آند كومباني" Booz & Co، وليس في ذلك ما يبعث على المفاجأة، طالبت الدراسة بالعودة إلى الأساسيات في إدارة المخاطر واستعادة ما يسميه التقرير ‘ثقافة قوية بالمخاطر’. يقول التقدير إن الشركات بحاجة إلى إنشاء ثلاثة خطوط دفاعية: الخط الأول في الجناح التنفيذي للشركة، حيث يجب أن تسود طريقة "التفكير في العائد المستدام على المخاطر"، والخط الثاني في الشركة بصورة عامة، حيث يحتاج مديرو المخاطر إلى تعزيز سلطتهم وصلاحياتهم، والثالث في فرق التدقيق الداخلي، التي تحتاج إلى تحسين مهاراتها في إدارة المخاطر.

في رأيي أن كل ذلك معقول إلى حد كبير. ولكن مع ذلك يبدو لي أن ذلك لا يزال نشاطاً على المستوى السطحي. إذ كنت جاداً حول ثقافة الشركة فلا بد لك من التعمق والذهاب إلى أبعد من مجرد الإجراءات العلاجية.

الضعف الكامن في التغيرات التي من هذا القبيل والتي تأتي من القمة إلى القاعدة، كما يقول ديفيد هوفمان، أستاذ السلوك التنظيمي في كلية كينان فلاجلر لإدارة الأعمال Kenan-Flagler business school في جامعة نورث كارولينا، هو أنه يقول لبقية أقسام المنظمة "أنتم السبب في المشكلة". الناس لا يمتلكون سؤال المخاطر والسلامة. السؤال يترك موضوع المخاطر على أنه راجع لحكم شخص معين وليس أمراً يشعر الناس أنهم ملزمون بالتفكير فيه واتخاذ إجراء بشأنه.

يجادل هوفمان بأن الزعماء يجدر بهم توسيع مركز اهتمامهم بعيداً عن التعاملات الاقتصادية البحتة (هل هناك من يرغب في مزيد من السندات القائمة على القروض والديون؟) وأن يفكروا بقدر أكبر حول "التبادل الاجتماعي" بينهم وبين الناس الذين يتبعونهم، لخلق حس أعمق بالالتزام. وهو يقول: "فكر بمعلم ممتاز كان لديك. إنه تبادل اجتماعي. ينتهي بك الأمر إلى أن تكون مَديناً وستكون ملزَماَ بالتسديد. حين تكون هذه العقلية هي السائدة، يأخذ الموظفون في البحث عن ‘العملة القيمة’ التي تصلح للتسديد". السلامة والمواقف تجاه المخاطر يمكن أن تكون هذه العملة. المنهج الفعال للتعامل مع المخاطر يصبح جزءاً لا يتجزأ من طريقة عمل الناس، وليس مجرد شيء يتذكرونه ويفكرون فيه من حين لآخر.

يتحدث هوفمان عن تجربة مرت به حين عمل مع بعض التنفيذيين في صناعة النفط، وكانوا غير مرتاحين جسدياً من أن الاجتماع بدأ قبل أن يعلموا مكان مخارج الحريق في المبنى. هؤلاء الناس يشاهدون دائماً فيديو السلامة قبل أن تقلع بهم الطائرة. يقول هوفمان: "ربما تقول إنك تحمل المخاطر على محمل الجد، ولكن ما عدد المرات التي تبدأ فيها الاجتماع بمناقشة موضوع المخاطر؟".

في بريطانيا، شهدناً مثلاً مذهلاً على مقدار الأذى الذي يمكن أن يصيب منظمة أخفقت في تطوير ثقافة قوية بالمخاطر. اثنان من الفنانين من ذوي الأساليب الغريبة الخارجة عن المألوف، وهما جوناثان روس وراسل براند، أثارا غضب بريطانيا، أو على الأقل غضب الذين أعربوا عن سخطهم الشديد، حين أذاعا حديثاً جنسياً فاضحاً في برنامجهما في راديو هيئة الإذاعة البريطانية، وهو برنامج لا مفر من الاعتراف بأنه "جريء".

لكن هذا لم يكن مجرد حادث عرضي أو خلل فني في برنامج يذاع على الهواء. بل كان مقطعاً مسجلاً من قبل وسبق أن سمعه منتج البرنامج (وهو موظف مخضرم في هيئة الإذاعة البريطانية عمره 25 عاماً)، ومعه زميل من رؤسائه.

كان الأمر كله بالنسبة إليهم يبدو وكأنه مقطع لطيف من المرح لا يؤذي أحداً، هو الاتصال هاتفياً بجهاز الرد الآلي لأحد الممثلين (أندرو ساكس) وترك رسالة هازلة حول المغامرات الجنسية لحفيدته البالغة من العمر 23 عاماً. ولكنها ليست تماماً من الرسائل التي يريد المشتركون في هيئة الإذاعة إنفاق أموالهم عليها.

فهم المخاطر والاستجابة السليمة لها يتطلب النضج والرصانة. لقد نسينا هذا. بل إن البعض لم يفهم تماماً هذه الحقيقة بالأصل.

هذا يذكرني بالعمل الموسيقي الرائع ‘بيتر والذئب’ من تأليف بروكوفييف. لعلكم تذكرون حكاية الصبي بيتر الذي خاطر بوقوع كارثة حين تسلق بشجاعة شجرة ليوقع في الفخ بالذئب الشرير بحبل كان بيده.

يركز المستمعون من جميع الأعمار على النهاية السعيدة، حيث تصدح الموسيقى بالموكب المنتصر وفي مقدمته بيتر الفخور. وننسى اللقطة الأخيرة التي تدل على حكمة جد بيتر، الذي تنبأ بصورة صحيحة بالظهور المفاجئ للذئب في المقام الأول:

"هز الجد رأسه بنوع من عدم الرضا. وقال: لنفرض أن بيتر أخفق في الإيقاع بالذئب. فما الذي سيحدث في هذه الحال؟"

أنت على حق تماماً يا جدي. ما الذي سيحدث في هذه الحال؟

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية