في الشهر الماضي، شهد العالم إحدى أسوأ الأزمات المالية والاقتصادية منذ عقود طويلة. ربما بدأ الإحساس بإفرازاتها على الفور في "وول ستريت"، ولكن تأثير الأزمة في الطاقة، وربما حتى البيئة سيكون هائلا كذلك.
كريستوفر دي مارجرييه، الرئيس التنفيذي لشركة النفط الفرنسية "توتال"، الذي ما فتئ يقدم الحجج بضرورة ابتعاد الحكومات عن طريق أولئك الذين يحاولون جلب كمية كافية من الطاقة إلى السوق بغية تلبية الطلب، قال هذا الأسبوع إن الأحداث الأخيرة تعنى بأن على صانعي القرار الأخذ بعين الاعتبار تقديم يد العون لمصادر الطاقة الصديقة للبيئة والتقنيات التي لم تعد مجدية اقتصاديا جراء أسعار النفط المتراجعة.
يقول التنفيذيون إن المبادرات البيئية مثل عزل الكربون وتخزينه يجب عدم التخلي عنها وإن حقول النفط بحاجة إلى التطوير بطريقة صديقة للبيئة بقدر الإمكان. ولكن "شيفرون" حسمت سلفا بأن المبادرة التجارية الأسترالية يمكن أن تجعل عملية تطوير حقل غاز "جورجون" غير مجد اقتصاديا.
ألغت "رويال داتش شل" مشروعها الاستثماري المقترح ضمن الخطط الرامية لإنشاء أكبر حقل رياح داخل المحيط في العالم، "لندن آراي" بغية التركيز على مشاريع توليد الطاقة من الرياح داخل المحيط الأقل مخاطرة في الولايات المتحدة.
من جانب الحكومة، فإن الاتجاه يمكن أن يكون مشابها، إذ يشعر ناشطو البيئة بالقلق من أن المليارات التي تنفق حاليا لإنقاذ البنوك ربما لا تستبقي إلا القليل للبيئة.
في الواقع، وسط الزخم الهائل الذي يحيط بالمنافسة الشرسة لانتخابات الرئاسة الأمريكية، فإن أزمة الائتمان طغت بشدة على أمن الطاقة كقضية رقم واحد، على الأقل من الجانب الخطابي المصاحب للحملات الانتخابية.
لكن الرسالة الرئيسة لدى مارجرييه تتمحور حول أمن الإمدادات، عوضا عن البيئة. ويجادل هو وتنفيذيون آخرون بأن تراجع أسعار النفط سيجعل من تطوير كميات كافية من الطاقة لتلبية الاحتياجات المستقبلية لبلدان مثل الصين والهند، أكثر صعوبة، ويمكن أن يؤدي إلى إطالة أمد الركود.
وأوضحت منظمة الدول المصدرة للنفط (الأوبك) تلك الفكرة في بيانها الرسمي الذي أصدرته الأسبوع الماضي، على أمل تبرير قرارها القاضي بتخفيض الإنتاج بنحو 1.8 مليون برميل يوميا. "شهدت أسعار النفط تراجعا مثيراً – بشكل غير مسبوق من حيث السرعة والضخامة – مع إمكانية تراجعها إلى مستويات ربما تعرض للخطر عديدا من مشاريع النفط القائمة، وتؤدي إلى إلغاء أو تأخير أخرى، ما قد ينتج عنه نقص في إمدادات النفط على المدى المتوسط".
المشاريع في المناطق ذات التكلفة العالية، مثل الرمال النفطية في كندا، وأعماق المياه السحيقة في غرب إفريقيا، تم تأجيلها بالفعل، بينما عملية تطوير الحقول العملاقة مثل حقل غاز "شتوكمان" الروسي باتت ضعيفة للغاية، ومثل "غازبروم"، الشركة الاحتكارية التي تكافح بشدة تحت وطأة الأزمة الائتمانية.
في الواقع لا ترى وكالة الطاقة الدولية IEA، جهاز رقابة الدول المتقدمة، روسيا، ثاني أكبر مصدرة للنفط في العالم، قادرة على رفع إنتاجها إطلاقا، الذي ورد في أحدث تنبؤات صدرت عن الوكالة التي تتخذ من باريس مقرا لها، تغطي الفترة الزمنية الممتدة حتى 2030.
العديد من أكبر حقول النفط الروسية بات يلج مرحلة الكهولة وتدهور الإنتاجية، وبالتالي، فإن تخفيضات الضرائب تعني أن توفير حوافز للشركات من أجل تطوير حقول جديدة والمساهمة في تعزيز إنتاج الحقول القديمة ضئيل ومتأخر للغاية كما يقول التنفيذيون والمحللون.
في الواقع تعتقد الوكالة الدولية للطاقة ، أن العامل الأهم الأوحد في تحديد مدى القوة التي يجب أن تعمل بها صناعة الطاقة من أجل تلبية الطلب، هو السرعة التي تتراجع بها الحقول المعمرة.
تشير النتائج الأولية لدراسة أجريت على أكبر حقول النفط في العالم، من المزمع نشرها بواسطة الوكالة الدولية للطاقة الشهر المقبل، إلى أن حجم التحدي ضخم للغاية.
سيحتاج العالم إلى استثمار مبلغ 360 مليار دولار سنويا من أجل رفع إنتاج النفط لتلبية الطلب، كما أوضحت بيانات أولية وردت بمسودة سابقة للتقرير حصلت عليها "فايننشيال تايمز" أن معظم المبلغ المذكور سيكون ضروريا لإنفاقه في الدول التي فيها احتياطيات النفط مملوكة من قبل شركات النفط الوطنية التي إما تدار بطريقة سيئة أو عاجزة تقنيا لإنقاذ الاستثمارات الضرورية.
على نطاق العالم، شرعت حقول النفط تتدهور بمعدل طبيعي سنوي يبلغ 9.1 في المائة، حتى مع الاستثمارات لزيادة الإنتاج، ما زالت تتراجع عند 6.4 في المائة، كما يوضح مسودة تقرير وكالة الطاقة الدولية.
إنفاذ هذه الأنماط من الاستثمارات بغية إيقاف التدهور يصبح أكثر صعوبة حينما تكون الأسعار منخفضة. وتحبذ شركات النفط غالبا إغلاق حقل ما، عوضا عن ضخ المزيد من المال فيه مقابل شحيح. إنه واقع يمكن الإحساس به في بحر الشمال، الذي حفزت فيه أعوام عديدة من أسعار النفط العالية ثلة من الشركات الصغيرة للتدخل من أجل إنفاذ حقول النفط الصغيرة.
في الواقع، عديد من شركات النفط الصغيرة تلك تكافح بشدة في الوقت الحاضر نظراً إلى هبوط أسعار أسهمها، في بعض الحالات، أضعفت أزمة الائتمان قدرتها على تمويل البرامج الإنتاجية.
هذا الواقع الجديد هو إحدى القوى القائدة الرئيسة التي برزت لتغيير الصناعة، في ظل شح الائتمان وهبوط أسعار النفط. يقول إيان تايلور، رئيس "فيتول"، لتجارة النفط، حسب اعتقاده تقف الصناعة على شفير موجة اندماجات. ويقول: "هذه أفضل فرصة تسنح منذ 15 إلى 20 عاما. معظم الشركات تتاجر دون قيمة أصولها".
وبالفعل في اليوم الذي كان يتحدث فيه، أعلنت شركة BG، صفقة للاستحواذ على "كوينز لاندجاز"، مقابل 5.6 مليار دولار أسترالي (3.8 مليار دولار أمريكي). وكانت الصفقة مبنية على علاوة سعر بنسبة 80 في المائة فوق سعر سهم شركة QGC السابق، ولكن ما زالت تقيّم احتياطيات الغاز التابعة للشركة الأسترالية عند أقل من نصف القيمة الضمنية التي دفعتها "كونوكوفيليبس" الأمريكية مقابل أصول مشابهة خلال الصيف.
الشركات المختارة للاستحواذ هي الأغنى بالنسبة إلى أكبر الشركات من حيث القيمة السوقية، إذ إن أسهمها تتداول منذ أعوام عند أسعار متدنية نسبيا رغم الإيرادات القياسية، نظراً لأن عدم مقدرتها على النمو من خلال إيجاد حقول جديدة أو الاستحواذ على شركات كبيرة، أبقاها منخفضة.
تلك الشركات تجلس الآن فوق سيولة نقدية غير منفقة (40 مليار دولار في حالة "إكسون موبيل"، أكبر شركة ضمن المجموعة) ومديونية منخفضة للغاية.
حسب تعبير توني هايوارد، الرئيس التنفيذي لشركة النفط البريطانية BP: "نعتقد أن الاضطراب الحالي يمكن أن يخلق الفرص للولايات المتحدة وسندرس تلك الفرص بدقة تامة".
ويقال إن "توتال" تضع عينها على شركة نفط كندية، التي هبطت أسهمها بما يفوق 50 في المائة في الأشهر الست الماضية، ما يعني أنها لم تعد غالية لدرجة يتعذر شراؤها.
وفي غضون ذلك، يقول تنفيذيون من شركات نفط رئيسة أخرى، إنهم ينظرون إلى لاعبين أمريكيين مثل "أناداركو".
BG، التي محفظتها الخاصة بالغاز الطبيعي المسال جعلتها جاذبة لعدة سنوات في أعين الشركات الرئيسة، ولكنها كانت كبيرة وغالية لدرجة يتعذر شراؤها، الآن باتت مجددا على شاشة الرادار، كما يقول التنفيذيون.
يقول موريس بيرنر من "بوسطن كونسلتنج جروب": "إبان فترات الركود السابقة ما الذي تفعله الشركات الناجحة؟ كانت تتحد مع بعضها بعضا وتبني قوة تنافسية لكي تخرج من الأزمة بحالة أفضل عندما ينجلي غبار الأزمة".
لكن المستقبل ليس في أيدي تلك الشركات. ولكن على العكس سيستند إلى القرارات الاستثمارية التي تتخذ من قبل شركات النفط الوطنية، والعديد منها منضوية تحت لواء منظمة الأوبك، التي ستقرر ما إذا كانت هناك كميات كافية من النفط لمساعدة العالم على الخروج من الأزمة الاقتصادية.
وسيكون من مسؤولية الحكومات التأكد من إبداء الاهتمام بالبيئة إبان العلة الاقتصادية تماما مثلما هو الحال في أوقات العافية الاقتصادية.
وحتى الآن، فإن الدلائل بأن كل منهما سيكون قادرا على التصرف لمصلحة العالم باتت تضعف تدريجيا – في ظل هبوط سعر النفط واندلاع الكساد الاقتصادي – بدلا من أن تصبح أقوى.

