هيلاري "علامة تجارية عالمية" لكن هل لديها خبرة دبلوماسية؟
لقد تسّرب أن باراك أوباما سيقوم قريباً بتسمية هيلاري كلينتون لتعمل وزيرة لخارجيته، وهي التي شنت قبل أشهر فقط نقداً عنيفاً ضد سياسته المتمثلة في فتح محادثات مع إيران ووصفتها بأنها "سياسة لا مسؤولة، وبصراحة : ساذجة". عندما يجيء الرؤساء الأمريكيون بمنافسين رئيسيين للعمل معهم، يمكن أن تكون النتائج مصيرية. فالولايات المتحدة تدين بامتلاكها لألاسكا إلى اختيار إبراهام لينكولن لوليم سيوارد وزيرا للخارجية، وهي مدينة ببرنامجيها "ميديكير" و"ميديكيد" إلى اختيار جون كينيدي لليندون جونسون نائبا للرئيس.
ويوفر رونالد ريجان أقرب وجه شبه مع خطوة أوباما المتوقعة. فبعد أن فاز تمرده بالانتخابات التمهيدية عام 1980، استمال ريجان المؤسسة السياسية ذاتها التي كانت قد هزمها وشوه سمعتها. وعواقب اختياره لمنصب نائب الرئيس – جورج إتش دبليو بوش الذي سبق أن سخر من سياسة ريجان المحلية ووصفها بأنها اقتصاد شعوذة – تتردد أصداؤها حتى اليوم.
وكثير من المدونين الذين يشيرون إلى التمثيل الشديد للرجال القدامى من إدارة كلينتون بين من سماهم أوباما، يشكون من أنه تخلى عن رسالته المتمثلة في التغيير. وهذا شيء سخيف. فبيل كلينتون هو الديمقراطي الوحيد الآخر الذي انتخب رئيساً منذ سبعينيات القرن الماضي. وأي ديمقراطي لم يبلغ سن الشيخوخة ويملك خبرة في الفرع التنفيذي سيكون محارباً قديماً من إدارته.
قال أوباما هذا الأسبوع في شيكاغو: "اعرفوا من أين يأتي التصور من أجل التغيير أولاً وقبل كل شيء، أنه يجيء مني". هذا صحيح إلى حد بعيد. وتصور صعود هيلاري يرضي 66 في المائة من الأمريكيين وفقاً لاستطلاع أجرته شبكة أيه بي سي. وترشيحها يجعل أوباما يبدو قوياً وليس ضعيفاً.
والمشكلة تتمثل في أن بيل وهيلاري كلينتون قويان أيضاً. فالقوة التي راكماها خلال رئاسة كلينتون لم تتبدد، واتخذت صفة شخصية بطريقة ربما لا تكون مناسبة لدبلوماسي رفيع المستوى في البلاد. فآل كلينتون، مثل آل بوش، استولوا على جهاز التمويل في حزبهم ووضعوه في خدمة تقدم عائلتيهم. وهذا عيب لكنه لا يسلب الأهلية الدبلوماسية.
ونشاطات بيل كلينتون بعد الرئاسة مسألة أكثر تعقيدا. ففي العام الماضي كسب أكثر من عشرة ملايين دولار من خطب ألقاها، وبعض هذا المبلغ جاء من حكومات أجنبية. وهو يوجه جمعية خيرية عالمية تضم 800 موظف، الأمر الذي يجعله حسبما قالت صحيفة "واشنطن بوست": "شيئاً قريباً من رئيس المحسنين في العالم". وبكلمات مثل "محسن" و"خيري" لا تقدم خيرا للقوة التي تراكمت. فالسيد كلينتون يجني مكافآت ضخمة من إقامة نظم حكم رشيد بديلة، وليس أمراً حتمياً أن تلتقي هذه المصالح مع مصالح وزارة الخارجية الأمريكية.
وحين يصبح المرء دبلوماسياً، أو زوج دبلوماسية، فإن قطباً خيرياً في القرن 21 يواجه إمكانية حدوث تضارب مصالح لا يختلف عما واجهه قطب في مجال المطاط، أو التعدين، أو السكك الحديدية في القرن 19. وقد أعطى كلينتون لحملة أوباما قائمة من 200 ألف متبرع لمكتبته ومؤسسته الرئاسيتين. ويدين كثير من أعضاء إدارة بوش، بمن فيهم الرئيس ونائب الرئيس، بجزء من ثرواتهم للمصالح التجارية المرتبطة بالحكومات الأجنبية. لكن لم يكن من المفترض أن يكون هذا معيار إدارة أوباما.
ولا ريب أن هيلاري كلينتون تملك شهرة كافية تجعلها تحظى بانتباه زعماء العالم. فهي "علامة تجارية عالمية" كما قالت صحيفة "نيويورك تايمز"، لكن ما إذا كانت تملك أي خبرة دبلوماسية حقيقية بالأساس ما زالت موضع خلاف، مثلما حدث في الانتخابات التمهيدية. جريج كريج، وهو مسؤول سابق في وزارة الخارجية في عهد كلينتون، ومستشار مقبل للبيت الأبيض، وصف سفراتها نيابة عن زوجها بأنها "سفرات احتفالية إلى حد كبير". وهناك تفسير أكثر سخاء وهو أنها استخدمت "القوة الناعمة" في أمور تراوح بين حقوق الإجهاض العالمية إلى مشروعات القروض الصغيرة، وربما كان من الغباء أن تتوهم أن هذه المبادرات دبلوماسية رفيعة، لكنها ليست لا شيء.
القوة اللينة، على أية حال، ليست لينة كما تبدو، فهي تميل إلى أن تكون قوة قاسية في مكان ما من الجوار. فلماذا اعتنقت الهند مبدأ الكريكت في القرن 19، ولماذا تبنت ألمانيا الجاز، واليابان البيسبول في القرن الـ 20؟ مشكلة هيلاري تكمن في النقطة التي تفصل بين القوة الناعمة والقوة القاسية. ففلسفتها الدبلوماسية ليست مترابطة أبداً. حاولت تفسير تصويتها لصالح الحرب العراقية بالقول إنها توقعت من الرئيس جورج دبليو بوش أن يستنفد كل الخيارات الدبلوماسية وأن يستخدم التخويل باستخدام القوة لإعادة مفتشي الأسلحة إلى العراق. (وإذا كانت هيلاري لن تتحدث مع إيران تحت أي ظرف من الظروف، فوفق أي أسس كان يمكن أن تتفاوض مع العراق؟). قالت هيلاري: "إنني أؤمن بالدبلوماسية الإكراهية. فأنت تحاول أن تعرف كيف تحرك اللاعبين السيئين في اتجاه تفضله حتى تتجنب عواقب وخيمة أكثر".
لا توجد أي دبلوماسية إكراهية دون إكراه. فأنت لا تستطيع أن تخدع من كل النواحي. التهديدات باستخدام القوة فقدت سطوتها عام 1999 عندما حاولت وزيرة خارجية كلينتون، مادلين أولبرايت، أن تؤثر في صربيا للجلاء عن كوسوفو. وسلوبودان ميلوسيفيش، الرئيس الصربي السابق، تحدى أمريكا أن تنفيذ وعيدها، الأمر الذي أدى إلى حرب أوروبية جعلت الناتو يقترب جداً من خسارتها. وعندما وقعت أحداث 11 أيلول (سبتمبر) بعد سنتين، تم نفاد رصيد التهديدات الموثوقة، وكان التهديد بالحرب يعني حرباً.
هذا هو القلق الحقيقي إزاء تسمية هيلاري كلينتون. فمفهومها عن القوة الأمريكية عفا عليه الزمن. وسواء كانت قوة لينة، أو قاسية‘ فإن ذلك يعتمد على الرغبة في التدخل في الشؤون الداخلية لدول ذات سيادة. وهذا يتطلب القوة، ومن المشكوك فيه أن أدوات القوة التي تخطط لاستخدامها ما زالت كفؤة. في آخر مرة تسلم فيه الديمقراطيون مقاليد السلطة كانت القيادة الأخلاقية الأمريكية الحاسمة مبنية على الإجماع. وشن بوش حملة ضد تلك السياسة عام 2000 مناديا بسياسة "أكثر حسما"، تبناها بعنف بعد 11 أيلول (سبتمبر). ولا يبدو أن العالم، أو أمريكا يطالبان بصخب، بتكرارها.
لا يوجد تعليقات