يقول خبراء في مجال الأمن إنه أيا كانت الجماعة التي تقف وراء هجمات بومباي فإن أحد الأمور التي باتت واضحة هي أن من الممكن إيقاع مدينة كبرى في حالة من الفوضى إذا وجدت مجموعة من الرجال المسلحين تسليحا كافيا والمستعدين للفداء بأرواحهم. وبدلا من خطف طائرات مثل هجمات 11 أيلول(سبتمبر)2001 أو تهريب سيارات ملغومة إلى المدينة اختار مسلحو بومباي أسلوبا ينطوي على مواجهة ويعتمد على الهجوم المسلح ما أسفر عن مقتل 155 شخصا وإصابة نحو 283 وسبب حالة من الذعر في المدينة المزدهرة البالغ عدد سكانها 13 مليون نسمة. يقول خبراء أمنيون إن الهجوم على الأرجح جرى التخطيط له على مدار عدة أشهر وتم تنفيذه بدقة شديدة فيما يبدو لكنه اعتمد في النهاية على ما يقدر بنحو 25 مسلحا يحملون أسلحة خفيفة مثل البنادق والقنابل اليدوية. وقدرتهم على التجول ومواصلة الهجوم بينما هم على استعداد طوال تلك الفترة أن يقتلوا أثناء العملية جعل من الصعوبة الشديدة بمكان قتالهم وجعلهم أكثر انطلاقا ما كان يمكن أن يحدث في أي هجوم انتحاري فوري. وقال ساجان جوهيل المحلل في مؤسسة (آسيا باسيفيك) "من المستحيل فعليا منع 20 مسلحا من شن هجوم في أي مكان في العالم إذا كانوا على استعداد لأن يقتلوا". وأضاف "هذا هو لب استراتيجية الفدائيين". ويطلق تعبير الفدائيين لوصف المسلحين الذين يضحون بأنفسهم والذين عملوا في العراق وإقليم كشمير وفي أنحاء العالم الإسلامي. وتابع قائلا لرويترز "هذا أكثر فاعلية من مهمة انتحارية. ففي المهمة الانتحارية يطلقون المتفجرات وينتهي أمرهم أما في هجمات الفدائيين هم يحاولون الاستمرار لأطول فترة ممكنة وقتل أكبر عدد من الأشخاص". وبعد نحو 20 ساعة من بدء الهجوم في وقت متأخر من ليل الأربعاء الماضي كان الجنود الهنود والمسلحون لا يزالون يتبادلون إطلاق النيران وحوصر أكثر من 100 شخص داخل فندق تاج محل وهو أحد فندقين من فنادق الخمس نجوم ويقبل عليه السياح ورجال الأعمال الغربيون الذين استهدفوا في الهجوم. وأعلن مسؤولو أمن هنود أن العمليات الرامية إلى إخراج المتشددين المتحصنين في فندق تاج محل في مدينة بومباي انتهت وأن ثلاثة إسلاميين مسلحين على الأقل قتلوا. وأغلقت السلطات الهندية أسواق الأسهم والسندات والصرف الأجنبي والمدارس وبذل الأجانب المذعورون الذين كانوا موجودين أما لقضاء إجازات أو في مهام عمل قصارى جهدهم للفرار ما جعل العاصمة التجارية للهند أشبه بمنطقة حرب يسودها التوتر. وقال هنري ولكنسون كبير المحللين في مؤسسة (جانوسيان لإدارة المخاطر الأمنية) "يستطيع رجال مسلحون بأسلحة آلية أن يلحقوا الخراب وأن يحافظوا على استمرار الوضع لفترة أطول كثيرا". وأضاف "سواء كان هذا مقصودا أم لا فإنه يخلق دراما ممتدة أكثر إثارة للرعب بكثير". ونظرا لجرأة الهجوم ومستوى التخطيط العالي وحقيقة أن الأجانب استهدفوا على وجه الخصوص يعتقد متخصصون أن من المرجح أن يكونوا قد استلهموا الهجوم بدرجة ما من جماعات خارجية متحالفة مع تنظيم (القاعدة) مثل جماعة عسكر طيبة ومقرها باكستان أو أن يكونوا على صلة بها. ويشيرون إلى أن التكتيكات مختلفة عن الهجمات الأكثر شيوعا التي وقعت بعد 11 أيلول (سبتمبر) 2001 التي شهدها العراق وأفغانستان لكنها ما زالت تحمل العلامات المميزة نفسها. وأضاف ولكنسون "من المثير للاهتمام أنهم لم يلجأوا إلى استخدام سيارات ملغومة فقد كان هجوما مسلحا مباشرا على مدينة (..) يعيد هذا للأذهان الهجمات التي وقعت في السعودية عام 2003 حين تجول مسلحون محاولين العثور على غربيين وقتلهم". وركز ولكنسون على مسألة أن مسلحي بومباي فيما يبدو استخدموا البنادق والقنابل اليدوية فحسب ما منحهم المزيد من القدرة على التحرك والتفرغ لاحتجاز الرهائن. وأضاف "أتصور أن استخدام البنادق والقنابل اليدوية كان اختيارا متعمدا(..) مستوى التخطيط والتدريب الذي يجب أن يكون قد تم الخضوع له لتنفيذ هجوم من هذا النوع مثير للإعجاب". وتابع أن من الممكن تنفيذ هجوم من هذا النوع في أي مكان بالعالم ما يجعل المدن في أوروبا والولايات المتحدة عرضة للهجوم حتى وإن كان من المستبعد أن يأتي بنتيجة مماثلة. وفي لندن عام 2005 قتل أربعة انتحاريين 52 شخصا في شبكة المواصلات العامة ما أصاب المدينة بالشلل. ويسلط الهجومان الضوء على مدى صعوبة أن تحمي الدول الديمقراطية نفسها من هذه الهجمات دون إجراءات أمنية صارمة وأجهزة مخابرات قوية. وأضاف "لا أرى أي سبب إذا كانت هناك جماعة إرهابية لديها القدرة (..) فلا يمكن استبعاد حدوث هجمات مثل هذه في أوروبا أو الولايات المتحدة". ومن بين الميزات التي تتمتع بها السلطات الهندية وأي جهاز مخابرات استدعي للمساعدة في التحقيق في هجمات بومباي هو أنه وردت أنباء عن إلقاء القبض على تسعة مسلحين على الأقل. وفي حادث تفجير انتحاري يستطيع الأطباء الشرعيون مساعدة المحققين في الوصول إلى الكثير من المعلومات. وفي هذه الحالة يرجح أن يكشف المعتقلون معلومات مخابراتية أكثر بكثير بشأن من الذي خطط للهجوم. وقال ولكنسون "مسألة أنه تم إلقاء القبض على بعض منهم مهمة للغاية (..) أعتقد أن معلومات أخرى كثيرة بشأن هذه الهجمات ومن الذي يقف وراءها ستبدو ظاهرة للعيان".
الهجمات تكشف أن مدن العالم عرضة لتكرار المأساة نفسها

لوك بيكر
الأحد 30 نوفمبر 2008 4:57
