عندما تم إدراج بريتانيا بولك Britannia Bulk، وهي شركة مركزها لندن متخصصة في نقل الفحم من منطقة البلطيق إلى المملكة المتحدة، في بورصة نيويورك في حزيران (يونيو)، بدت آفاقها مشرقة. فأنموذج عمل الشركة الذي كانت بموجبه تستأجر السفن من شركات أخرى لتضيف إلى أسطولها متوسط الحجم، جعلها مرنة وتستجيب بسرعة لظروف السوق المتغيرة، حسبما قالت النشرة الخاصة بها.
لكن في 31 تشرين الأول (أكتوبر)، بعد أقل من خمسة أشهر من قيام جهة الإدراج في البورصة بتقييم أسهمها بمبلغ 404 ملايين دولار، وضعت بريتانيا بولك فرع تداولها الرئيسي قيد المساءلة الإدارية. ولم يعد الأنموذج ناجحاً كما بدا الأمر، وكان الهبوط في الأسعار يعني أن بريتانيا كانت تدفع أكثر بنحو 30 ضعفاً من أجل استئجار بعض السفن، بينما كان بإمكانها أن تجني أكثر بالتأجير إلى آخرين. وفي غضون ذلك، فإن قيمة السفن التي تمتلكها بشكل مباشر انخفضت أيضاً، الأمر الذي دفع بالبنوك التي تتعامل معها إلى طلب ضمانات إضافية. ولجعل المسائل تسوء أكثر، خسرت الأموال أيضاً في المضاربة في أسواق مشتقات الشحن.
يواجه جانب كبير من صناعة شحن المواد الجافة هائلة الحجم، مشكلات مماثلة للمشكلات التي تواجهها بريتانيا بولك، حتى وإن كان عدد قليل منها متجذرا بشكل خاطئ وعلى نحو مذهل للغاية. وتحديداً، هناك توقع واسع الانتشار في السوق بأن العديد من مالكي السفن يمكن أن يواجهوا خسائر فادحة بعد مراهنات خاطئة على المشتقات بشأن اتجاه أسعار المواد الجافة هائلة الحجم، وذلك خلال تشرين الأول (أكتوبر).
لكن هل تستطيع جهود مالكي السفن والآخرين في قطاع الصناعة تحسين أوضاع أمور هذا القطاع؟
إن أسعار التأجير أدنى بكثير الآن من المستويات التي تم توقعها بحيث إن الكثيرين في الصناعة لا يمكنهم تحمل احترام الاتفاقات السابقة، أو يتعرضون لإغراء كسر هذه الاتفاقيات لعلمهم أن السفن متاحة الآن بجزء فقط من السعر المتفق عليه.
إن مالكي السفن، وأحواض السفن في حالة تخبط الآن بشأن ما إذا كان عليهم تفادي العقود غير المستدامة الموقعة خلال المستويات العالية للسوق من أجل شراء وبيع السفن، أو إلزام النظراء غير الراغبين بالتزاماتهم في الوقت الذي يفضلون فيه الهروب.
يشبّه مايكل بودوروغلو، رئيس مجلس الإدارة التنفيذي لشركة باراغون شيبنغ Paragon Shipping ، المدرجة في بورصة نيويورك، مخاوف المشاركين في السوق بمخاوف المشاركين في الصناعة المالية أثناء ذروة الذعر الذي أعقب انهيار ليمان براذرز في أيلول (سبتمبر).
يقول بودوروغلو: "إن الناس غير متأكدين مما إذا كان نظراؤهم سيؤدون أم لا، بما في ذلك أصحاب سفن التأجير، والشركات الكبيرة التي لديها تاريخ ناجح لعدة عقود يدعمها".
إحدى أقصى الأولويات هي وقف الانحدار في أسعار النقل، وقيم السفن، وهو مجال يعتقد الكثيرون أن البنوك يمكن أن تكون حاسمة حياله. وساعدت الصناعة المالية على دفع أسعار التأجير إلى الأسفل، بوقف التمويل إلى حد كبير. كما أن البنوك المتخصصة في تمويل عمليات الشحن – أكبرها أتش إس أتش نوردبنك HSH Nordbank- ترفض على نحو متزايد أن تقرض لشراء السفن، أو لأية أهداف أخرى.
السؤال الحيوي، وفقاً لكوينتين سوانز، ما إذا كانت البنوك ستبدأ الآن بالمطالبة بتسديد القروض. وسيكون لدى العديد منها مبرر للقيام بذلك بحسب اتفاقات القروض التي قدمتها، والتي تضع في العادة قيمة الحد الأدنى على السفن التي تقوم بالتأمين عليها.
على أية حال، حتى مع وجود العديد من قيم السفن عند مستوى أدنى بكثير من المستويات التي تم تحديدها، فإن الإجراء واسع الانتشار من جانب البنوك إزاء مثل تلك الشروط يمكن أن يبرهن أنه انهزامي.
يقول سوانز: "إذا بدأت بممارسة هذا الشرط، فإنه يميل إلى إذكاء الأسعار المنخفضة، لأن التداعيات هي أن على المالك أن يقدم المزيد من السيولة، وإذا لم يفعل ذلك، فإنك ستقوم بحبس الرهن. وعندئذ، إذا توافر لديك عدد من السفن في السوق في الوقت ذاته، فإن القيمة تنخفض".
تتمثل الأولوية التالية في استعادة بعض الثقة. فالخطط التي وضعتها فرايت إينفستور سيرفيسز Freight Investor Services، وهي شركة وساطة لمشتقات الشحن، لتأسيس اتفاق "شبك" لجمع التزامات شركات تأجير السفن، والمالكين، والمشغلين، كل مع الآخر، تجعل الأمر أكثر وضوحاً فيما يتعلق بأي المشاركين في السوق يعانون من صعوبة في الوفاء بالتزاماتهم. وفي الوقت الحاضر الموقف مبهم بسبب التعقيد الاستثنائي لاتفاقات التأجير المتعلقة بسفن عديدة. والعديد من هذه السفن استأجرها مشغل من مالك معين لعدة سنوات، ثم قام بتأجيرها إلى مشغل آخر لفترة أقصر مقابل سعر أعلى نسبياً عن كل يوم.
ويشير مارتن سومرسيث جار، المحلل لدى أركتيك سيكيورتيز Arctic Securities في أوسلو، إلى أنه وجد سلسلة من شركات التأجير يصل عدد عقودها إلى 15 عقداً. وإذا تخلف طرف واحد فقط عن الوفاء بالتزاماته، فإن الترتيب بأكمله – الذي وضع المالك على أساسه خطط تمويل طويلة الأجل – يمكن أن ينهار.
ويقول جون باناسزكيويز، وهو مدير في إف آي إس FIS: "إننا نحاول أن نضمن أن تتبنى الصناعة ممارسات جديدة لمحاولة حل هذه القضايا". لكن حتى إذا نجحت الخطة المبتكرة لإف آي إس، وكانت عمليات حبس الرهن من جانب البنوك محدودة، فمن غير الواضح متى تعود الصناعة إلى الوضع الطبيعي.
يعتقد سوانز أن عمق وقسوة انهيار السوق يمكن أن يعجل فعلياً عملية الإحياء. وبدأت بالفعل عمليات شطب السفن، كما أن مشكلات تمويل بناء سفن جديدة من شأنها أن تخفض العرض الوافر بشكل مهم من السفن الجديدة التي تنقل المواد الجافة هائلة الحجم قيد الطلب، وقبل الأزمة كانت طلبات السفن تعادل 71 في المائة من الطاقة الحالية لأسطول السفن التي تنقل المواد الجافة هائلة الحجم.
لكن ثمة وجهة نظر أخرى تركز على الأعباء المتواصلة التي تواجه مالكي السفن غير القادرين على التهرب من التزاماتهم، والعرض الزائد من السفن الذي يحوم في الأفق. ويقول سومرسيث جار إن طلبات تسليم السفن في العام المقبل ستضيف 10 في المائة إلى الأسطول العالمي. وأضاف اختفاء الازدحام في الموانئ الذي قيد في الماضي جانباً كبيراً من أسطول العالم، نحو 5 في المائة أخرى إلى العرض. ووفقاً لأولئك المنظرين، فإن الصناعة ربما تتجه نحو أحدث فترات هبوط متعددة طويلة الأجل، وسوف يستغرقها الأمر عدة سنوات لكي تتعافى منها.

