قبل عام فقط، كانت سرعة الحركة هي الشعار، حيث قامت دوائر تكنولوجيا المعلومات بتفصيل أنظمتها من أجل دعم التغير الديناميكي. أما اليوم، ومع تهديد الركود الذي يشمل شتى أرجاء العالم، فإن الشركات معنية بشكل رئيسي بالبقاء، والمحافظة على مركزها السوق، مدركة أن بعض المنافسين لن ينجوا على الأرجح.
يقول برايان موري، استراتيجي التكنولوجيا لدى شركة الاستشارات مورس غروب: "يتمثل رد الفعل التلقائي بالتراجع نحو منطقة مريحة، والضغط على أزرار التوقف، وتخفيض التكاليف".
بالنسبة للبعض، المحنة بدأت للتو. قال جان – فيليب كورتواز، رئيس ميكروسوفت إنترناشيونال، في مؤتمر إتر Etre للتكنولوجيا في ستوكهولم الذي انعقد الشهر الماضي، إن مسؤول المعلومات الأعلى في شركة أوروبية كبيرة (لم يذكر اسمها) طلب منه المساعدة بعد أن تم إبلاغه بأن عليه أن يخفض ميزانية تكنولوجيا المعلومات بنحو 30 في المائة فوراً.
حدد كورتواز مصدراً للتوفير يستطيع العديد من مسؤولي المعلومات أن يحددوه – العديد من الخوادم – ووصف جرعة من التغييرات العملية: إدارة المزيد من التطبيقات على كل خادم. وبالنسبة للعديدين، هذا الإجراء هو الأكثر فاعلية في توفير التكاليف، والمتاح في يومنا هذا.
ما زال على الآخرين أن يعانوا من الآلام رغم ذلك. وقال ديفيد براكونيكي، مسؤول المعلومات الأعلى في شركة وساطة التأمين إكسبريدج Xbridge، إنه لم يتأثر بعد بالهبوط. غير أن تكنولوجيا المعلومات كانت مهمة لأعمال الشركة على أية حال، إذ أضاف: "نحاول أن نستعد للطريقة التي يمكن أن تتغير بها الظروف مع مرور الوقت. ونعتقد أن الاستعداد للأوقات السيئة يبدأ في الأوقات الجيدة. مثلا، نحاول ألا نزيد عدد الموظفين بشكل كبير عندما تسير الأمور بشكل جيد، ثم نصرفهم من العمل في أوقات الهبوط".
إن الصورة الكلية معقدة، ومتفاقمة بسبب سرعة وعمق الهبوط. وأخذت معظم الشركات على حين غرة: "قامت بتمزيق الميزانية التي تم وضعها قبل أسبوعين فقط، وبدأت من الصفر". وهذه عبارة منسوبة إلى أحد زبائن مجموعة غارتنر.
إن اتجاهات الإنفاق على تكنولوجيا المعلومات مربكة. ويستشهد دون براون، الرئيس التنفيذي لمجموعة برمجيات الاتصالات "الذكاء التفاعلي" Interactive Intelligence، بدراسة بحثية أجرتها فورستر، تشير إلى أن 43 في المائة من الشركات الأمريكية والأوروبية الكبيرة خفضت نفقاتها الكلية على المنتجات والخدمات التكنولوجية هذا العام، مضيفاً أنه على الرغم من الشكوك الاقتصادية، فإن العديد من الشركات ما زالت تشّغل أنظمة أسطورية عتيقة الطراز، يجب تحديثها أو تبديلها.
من ناحية أخرى، البحث الذي أجرته شركة تاتا للخدمات الاستشارية Tata Consultancy Services في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، يشير إلى أن 3 في المائة فقط من كبار المديرين ومجالس الإدارات، خفضّوا ميزانيات تكنولوجيا المعلومات في الوقت الحالي، مقارنة بـ 28 في المائة في العام الماضي. ومقابل كل شركتين ترغبان في إلغاء مشروعات تكنولوجيا المعلومات، هناك عدد مماثل يرغب في زيادة إنفاقه على تكنولوجيا المعلومات لمواجهة تأثيرات الهبوط، حسبما تدعي الأبحاث.
ويشير استطلاع غير رسمي شمل خبراء تكنولوجيا معلومات، من مستشارين وبائعين، إلى أن التخفيض الشامل على ميزانيات تكنولوجيا المعلومات أمر لا يتسم بالحكمة، وغير عملي، بالنظر إلى النطاق الذي تعزز به تكنولوجيا المعلومات معظم عمليات الشركات.
ويقول بيتر سوندرغارد، الرئيس العالمي للأبحاث في مجموعة غارتنر، إن تكنولوجيا المعلومات راسخة بعمق في المؤسسة، وبالغة الأهمية لأداء العمل بحيث لا يمكن إجراء تخفيضات ضخمة: "في سيناريو الحالة الأسوأ، فإن أبحاثنا تشير إلى وجود زيادة في الإنفاق على تكنولوجيا المعلومات بنحو 2.3 في المائة عام 2009، بانخفاض عن توقعاتنا السابقة البالغة 5.8 في المائة. ورغم أننا نستخدم الكوابح، إلا أننا لا نتوقف على الإطلاق". ويضيف: "لكن، مما لا شك فيه أن عصر الاستهلاك الواضح انتهى فعلياً، وبدأ للتو عصر التقتير الواضح".
ويشير سوندرغارد إلى النواحي العملية، وتكنولوجيا المعلومات الصديقة للبيئة، وتعدد المصادر، بصفتها أمثلة على التكنولوجيات والخدمات التي يجب أن تلعب دوراً. ويقول: "إن قدرة مسؤولي المعلومات الأعلى على موازنة هذه الأولويات ستكون حاسمة لنجاحهم في المستقبل، وعلى قدرة مؤسساتهم على تهدئة هذه العاصفة المالية".
ويجادل بعض مسؤولي المعلومات بالقول إنهم كانوا يعالجون المطالب لوجود ميزانيات أكثر إحكاماً، وابتكاراً، لعدة سنوات من الآن. وهم يديرون عمليات ضعيفة وضئيلة، بفوائض قليلة يمكنهم تخفيضها.
على أية حال، يقول ديفيد إلتون، وهو مستشار رفيع المنصب لدى شركة بي آيه الاستشارية PA Consulting، إن معظم الشركات لديها دوائر لتكنولوجيا المعلومات أكبر مما تحتاج فعلياً. ويضيف: "على مسؤولي المعلومات أن ينظروا إلى الأمور التي تزيد التكاليف في دوائرهم، بدلاً من النظر إلى بنود محددة والقول: هل يمكننا استبعاد هذا البند".
ويتابع: "أحد تلك البنود الكبيرة هو إدارة الأداء. فهل يتم تحفيز الموظفين على نحو مناسب لتحقيق الإنتاج الذي يتطلع إليه العمل. وهل يمكنك تحديد ومكافأة الأشخاص الجيدين، وتتوصل إلى ما تريد فعله بشأن متدني الأداء؟".
مارك لويس، من شركة ريفر بيد تكنولوجيز Riverbed Technologies لتشبيك الاتصالات التي تغطي منطقة واسعة في الولايات المتحدة، يقول: "إن الكثير من التكاليف المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات في يومنا هذا تتعلق بالتوزيع الإحصائي، وتعقيد الأحجام المتنامية باستمرار للتخزين في شتى أرجاء المكاتب والعالم، والصيانة والإدارة المستمرة لتلك البنية التحتية". ويجادل بالقول إنه يمكن تحقيق التوفير في التكلفة من خلال دمج الموقع، واستغلال سعة الموجة.
ويضيف: "في حالة الركود، عليك أن تستثمر في التكنولوجيا الجديدة، وعليك أن تخمن من أجل أن تراكم. لدينا اليوم زبائن بكروا بالحديث إلينا قبل عام أو 18 شهراً من الوقت الذي كانوا يخططون فيها للتحدث إلينا، لأنهم يستطيعون استشراف الضغوط عليهم من أجل تخفيض تكاليف البنية التحتية".
ويشعر معظم المراقبين بأن الوضع، رغم قسوته الواضحة، يوفر لمسؤولي المعلومات الفرصة لتقليل مستوى أهدافهم، وإعادة تركيزها.
ويجادل تشارلز أندروز، من سيلونا تكنولوجيز Celona Technologies بالقول: "إن ندرة رأس المال ستولد منافسة متزايدة على السيولة المتاحة. وبالتالي سيكون الأمر أكثر أهمية من حيث أن تبذل الشركات أقصى ما في وسعها لتضمن أن يبقى زبائنها الحاليون معها ويواصلون الإنفاق، وأن تكون متشددة بشكل استثنائي إزاء استبعاد التكاليف الداخلية غير الضرورية، وأن تنفق من أجل الابتكار، والفوز بحصة جديدة في السوق من المنافسين الأقل سرعة في الحركة".
هذه الكلمة "سرعة الحركة" مرة ثانية، تعني طريقة أسرع، وأقل هرمية لتطوير الأنظمة. فهل تستطيع أية شركة التأقلم مع الهبوط، وتطبق في الوقت ذاته مبادئ سرعة الحركة؟
يقول كريس ستيل، رئيس استشارات تكنولوجيا المعلومات في شركة بي أيه في الولايات المتحدة، إنه إذا أنجزت دوائر تكنولوجيا المعلومات وظائفها بشكل جيد خلال السنوات القليلة الماضية، فيجب أن يكون لديها حيز صغير للمناورة فيما يتعلق بالتكاليف. ويجادل قائلاً إنها يجب أن "تركز الآن على زيادة سرعة الحركة والطاقة في مؤسساتها، مؤكداً على منهج سرعة الحركة إزاء احتياجات أنشطة الأعمال الناشئة، الأمر الذي سيكمل عملها بشأن التكلفة والكفاءة.
ووفقاً لجافين ويليامز، المدير في أفاندي Avanade، المشروع المشترك لمايكروسوفت وأكسنتشور Accenture/Microsoft، على مسؤولي المعلومات أن يتخذوا ثلاث خطوات مهمة: ترشيد بنيتهم التحتية المتعلقة بتكنولوجيا المعلومات، استغلال "الأصول البشرية" بضمان تجهيز الموظفين بالأدوات الفاعلة - والتدريب اللازم لاستخدام هذه الأدوات – وإدخال نظام الاتصالات الموحد لإلغاء المكالمات غير الضرورية وتكاليف السفر.
وتعني الاتصالات الموحدة تكامل معظم قنوات الاتصال، بحيث يتمكن الأشخاص من التواصل من أي مكان، وفي أي وقت، وباستخدام أي جهاز. ووجد مزود حلول تكنولوجيا المعلومات "ديمنشين داتا" Dimension Data، أن الشركات التي تستخدم الاتصالات الموحدة حققت في المتوسط توفيرات عامة في التكاليف بلغت 10 في المائة، وتحسناً في رضا الزبون بلغ أكثر من 20 في المائة، وتحسينات على الإنتاجية بلغت أكثر من 10 في المائة. أما تكاليف السفر، وضياع الوقت، والآثار السلبية للكربون، فإنها انخفضت جميعها بأكثر من 10 في المائة.
هذه الحاجة لتخفيض التكاليف على أية حال، ما هي إلا واحد من الأعباء فقط التي تتحملها دائرة تكنولوجيا المعلومات في أوقات التعثر المالي. ومن المرجح أن الشركة نفسها ستنظر إلى التوفير في التكاليف بواسطة صرف الموظفين الزائدين عن الحاجة، مع تداعيات خطيرة على أمن الشركة.
ويشير غاري هايكوك ويست، الرئيس التنفيذي لمجموعة الأمن "بلو كيوب" Blue Cube، إلى أنه في أوقات الهبوط الاقتصادي الخطير، فإن المؤسسات مثل البنوك ربما تريد أن تصرف الموظفين الزائدين عن الحاجة بالعشرات، أو المئات، أو حتى الآلاف. ويسأل: "هل هي مستعدة لصرف مثل هذا العدد الكبير من الموظفين؟ إذا كنت بصدد أن تجعل دائرة بأكملها زائدة عن الحاجة، فإن موظفي الموارد البشرية لا يكونون مستعدين في الغالب لإغلاق جميع النقاط التي يملك الموظف السابق منفذاً إليها".
إذا كانت هناك رسالة ما تظهر من جميع وجهات النظر المختلفة هذه، فإنها تتمثل في أن إدارة تكنولوجيا المعلومات في الركود أمر أسهل بكثير إذا جرت الاستعدادات الجيدة مسبقاً. وبترديد عبارة ديفيد براكونيكي، فإن الاستعداد للأوقات السيئة يبدأ في الأوقات الجيدة.
على أية حال، هذا الركود أخذ معظم الشركات على حين غرة، وكانت غير مستعدة نسبياً. وربما يكون الأمر صعباً لشهور أو سنوات قبل أن تتم استعادة حالة التوازن.

