هذا أسوأ عمود كتبته منذ عام 1929.
في مناظر لم يشاهد مثلها في الذاكرة الحية، في يوم الخميس الماضي في جلسة ليلية متأخرة، أخرجت التفاصيل الشريرة المعقدة لهذا المقال في مجهود اضطراري أخير لحقن بعض المعقولية في النظام. وعند الساعة الثامنة وخمس دقائق مساءً، كانت الأنوار مضاءة في غرفة المكتبة بالدور الأول واستعداداً لليل طويل أمامي من العمل المكثف، أرسلت طلباً لوجبة كاري من المطعم المحلي. وعند إزالة ورق الألمنيوم الذي كانت تلف به وجبة الطعام ومع صوت دقات الساعة، بدأت بانفعال في كتابة جمل عن تغير المشهد الذي كنا فيه، الأكثر سميةً منذ الكساد العظيم. وبوجه شاحب ومضطرب نهضت عند الساعة الواحدة وأربعين دقيقة صباحاً. كيف يتقبل القراء هذا المقال بعد أن أصيبوا بصدمة الحرب؟ هل يعلنون موافقتهم عليه بصوت عال؟ أم أن ثقتهم سوف تهبط في أسوأ انهيار منذ الثلاثينيات من القرن الماضي؟ الزمن فقط هو الجدير بالإجابة عن ذلك.
في حقيقة الأمر، فأنا أكتب هذا العمود بطريقة عادية تماماً خلال ساعات العمل. ولن أطلب وجبة كاري على الرغم من أني ربما أخرج لتناول ساندوتش على عجل في وقت لاحق. هذا ليس هو أسوأ عمود منذ عام 1929، حيث إن ذاكرتي الحية لا تعود إلى ذلك الزمن السحيق. الشيء الوحيد الحقيقي هو أن صوت دقات الساعة كان مسموعاً بينما كنت أكتب ولكن حتى ذلك لم يكن صحيحاً تماماً حيث أن ساعتي كانت كوارتز وبالتالي لا يسمع لها صوت على الإطلاق.
السبب في أني أكتب بهذه الطريقة هو أنها تنتقل عن طريق العدوى. المقالات التي تنشر في الصحف في هذه الأوقات الصاخبة والمصيرية التي لم يشهد مثلها منذ الكساد العظيم مليئة بالعبارات المكررة الممجوجة مما يصعب معه القيام بأي شيء آخر غير الانضمام إلى الركب.
من أجل إصلاحها، يحتاج المرء إلى أن يستخدم عبارات من أربعة أنواع مختلفة. أولاً، التصدعات الجيولوجية من التحولات الزلزالية، المشاهد والزلازل والانهيارات. ثانياً، نوع جديد يستخدم تعابير طبية مثل الحقن وحاد وسام وضخ وقاتل ومضطرب. ثالثاً، المصطلحات التي تشتمل على تفاصيل رتيبة: ما الوقت، ماذا يأكل الناس، كيف تبدو سحناتهم (فقط إذا كانت شاحبة) اتبعها نظرة أخرى للساعة. التعبير العادي الوحيد الذي لم ير خلال الأسابيع الستة الماضية في "غرف مليئة بالدخان" حيث إن ذلك الآن أصبح غير قانوني. النوع الرابع من التعابير، هو الإعلان أن كل شيء هو الأسوأ منذ عام 1929 أو الأسوأ في الذاكرة الحية. هذا هو الأكثر شعبيةً من كل ذلك ولكن هل هو صحيح؟
كنت استمع للتو إلى شخص كان يعمل في "وول ستريت" في عام 1929، ويبدو الأمر غير ذلك. إيرفنج كان، يبلغ عمره الآن 102 سنة، أجرت هيئة الإذاعة البريطانية معه مقابلة الأسبوع الماضي وقال باختصار إن اليوم: "الأمور أفضل كثير جداً. فالناس قد فسدوا". وقال إن الجناة الرئيسين كانوا هم الصحافيون – المراسلون الذين يكتبون عناوين رئيسة تتحدث عن مدى سوء الأوضاع".
إذن هل كان على حق؟ من المؤكد أن الكتابة الجارية حالياً سيئة. سيئة بدرجة كبيرة في حقيقة الأمر، فهي الأسوأ منذ عام 1929.
اطلعت على كتابات في الصحف في ذلك الوقت وليس هناك الكثير يمكن اختياره بين ذلك الوقت والآن. فهناك مقال في صحيفة "تايمز" يعود لعام 1929 يتحدث عن "شلال نياجارا للسيولة" وعن "طوفان" وعن "حالة ذعر استولت على عقول المتداولين".
المزيتان الوحيدتان من الناحية الفنية للعهد السابق أنه في عام 1929 لم يكن لديهم 1929 حتى يعقدوا مقارنات لا حد لها معها، ولم تكن هناك شهية لتفاصيل عادية. وإذا عدنا إلى هناك، نجد أنها لم تصرف انتباه القراء من خلال إخبارهم هل الأنوار مضاءة أو ما هو الوقت أو ماذا يأكل الرئيس هوفر أو في أي طابق من المبنى كان موجوداً عند عقد اجتماعاته لتعزيز الثقة.
وإلا فإن هناك عددا كبيرا من التعابير المبتذلة ظهرت في الرابع من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1929 جعلت كاتب عمود في صحيفة "تايمز "يدعى كالسثينز يكتب مقالاً يجأر فيه بالشكوى منها. واشتكى قائلاً: "مضاربون على صعود الأسعار" و"مضاربون على هبوط الأسعار"، "هوامش" و"تغطيات" عبارات كانت تطرح بقدر كبير من الحرية كما لو أنها مصطلحات تستخدم في ميدان كرة القدم" منتقصاً من قدر بعض الكلمات مثل "الانهيار"، "محموم" و"انهار" و"دمار لحق بالآلاف".
ويقول إن الإجابة هي أن يكون كل شخص ملماً بما يجري وأن يؤدي عمله على نحو جيد. حيث كتب يقول: "هناك ربح أكبر ومتعة أكبر في العمل الشاق من أي ضربة حظ يتم بموجبها إبرام صفقة في البورصة".
كان هذا هو نوع العمود الذي كنت سأكتبه في ذلك الوقت؛ ومن المؤكد أنه نوع من الأعمدة التي أكتبها الآن. والفرق الوحيد بيني وبين كالسثينز هو أن عموده كان يرعاه سلفردجز وهو متجر على شارع أكسفورد وذلك أمر غريب.
توجيه اللعنات إلى العاملين في البنوك والمضاربين كان أمراً شائعاً في ذلك الوقت مثلما هو الآن، إن لم يكن أكثر. في مجلة "تايم" في عام 1930، كانت هناك كلمة جديدة تم اختراعها للحط من قدر الأشخاص وهي "بانكستر"، بينما كان عمود "حديث المدينة" في صحيفة "نيويورك" يشعر بالنشوة وهو يصف الانهيار بأنه "ممتع". كل هؤلاء الناس الباهتون الذين يمل المرء من صحبتهم على وجبة الإفطار وهم يجرون وراء أسهمهم يتعين عليهم الآن أن يقوموا بعمل ما مثل كل شخص آخر. وقال: "من الممتع أن ترى أرض البدانة ترتعش من الخوف".
حتى النكات كانت نفسها إلى حد كبير. ونشرت مجلة "نيويوركر" في كانون الأول (ديسمبر) عام 1929 رسماً كاريكاتورياً يصور امرأة ترتدي معطفاً من الفراء تعطي قطعة نقدية لأحد المتشردين. مع تعليق يقول: "أيها المسكين! السبب في ذلك يعود لسوق الأوراق المالية، فيما أعتقد". "لا. ليس كذلك يا سيدتي، فقد كنت دائماً متشرداً".
الشكل الآخر الحديث، كذلك يتندر من حالة الفقر التي لحقت بالعاملين في البنوك، حيث تم التعبير عنها على النحو التالي: "ما الفرق بين موظف بنك في الحي التجاري في لندن وبين الحمامة؟ الإجابة: الحمامة لا يزال بإمكانها أن تضع تأميناً لسيارة مازاراتي".

