الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 9 يونيو 2026 | 23 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

خط متصل من المخدرات من غرب إفريقيا إلى أوروبا

ماثيو جرين
ماثيو جرين
الجمعة 21 نوفمبر 2008 4:29
خط متصل من المخدرات من غرب إفريقيا إلى أوروبا
خط متصل من المخدرات من غرب إفريقيا إلى أوروبا

في ظهيرة يوم حار للغاية خلال شهر أيلول (سبتمبر)، قامت حكومة غينيا بدعوة دبلوماسيين لمشاهدة عملية الحرق الاحتفالية لكمية من الكوكايين تمت مصادرتها. وأسرع المبعوثون البريطانيون، والفرنسيون، والأمريكيون، إلى مركز قوة الدرك في كوناكري، عاصمة الجمهورية متوسطة المساحة في غرب إفريقيا. وفيما بعد، توجب إرسال البذلات الرسمية إلى التنظيف, لقد اختفت المخدرات، وكان يوجد مكانها: أكياس من السمك النتن.

يقول أحد الدبلوماسيين: "كان هناك حشد كبير من الجمهور يبلغ نحو عدة آلاف من السكان المحليين الذين مشوا في أثر الرائحة، ومن ثم شاهدوا جميع أولئك الأشخاص يصلون إلى الموقع. وكانوا يقولون لي, "لا تندهش: تمت سرقة المخدرات".

ربما يبدو تبديل كتل الكوكايين بشحنة من الطعام البحري منتهي الصلاحية تحت أنظار كبار المسؤولين الأجانب المجتمعين خطة محفوفة بالمخاطر حتى لأكثر المهربين تهوراً. في حقيقة الأمر، كانت تلك إشارة إلى وجود الثقة، حيث حوّل تجار الكوكايين من أمريكا الجنوبية مناطق غرب إفريقيا إلى نسختهم الخاصة من الجنة. ولأنهم يأتون مسلحين بحقائب مليئة بالنقود، فإنهم يحوّلون ضباط الشرطة، والجنود، والسياسيين إلى شركاء في العمل. وتعد المنطقة فعلياً الطريق الأسرع نمواً لشحن الكوكايين إلى أوروبا. وخلال فترة وجيزة، يمكن أن تكون الأكبر.

بالنسبة لمهربي المخدرات، فإن الأرباح المتأتية من هذه الصناعة التي تقدر بعدة مليارات من الدولارات، تعد ضخمة. أما بالنسبة للملايين من سكان غرب إفريقيا، فإن التأثير يمكن أن يكون مدمراً. وفي المكسيك، قتل عدة آلاف من الأشخاص في جرائم تتعلق بالمخدرات هذا العام فقط. وفي بلدان مثل ليبيريا وسيراليون، البلدين المجاورين لغينيا، اللذين بدآ لتوهما بالخروج من أسوأ الصراعات، هنالك مخاوف من أن يشعل الكوكايين حروباً أهلية في المستقبل.

مثل التوأم الشرير للعولمة، تفجرت تجارة المخدرات في الوقت الذي كانت فيه غينيا، فضلاً عن بلدان أخرى في المنطقة مثل غانا، السنغال، موريتانيا ومالي تجتذب استثمارات أجنبية متنامية في قطاعات تمتد من النفط والتعدين إلى الاتصالات والمصرفية.

التجمعات الاحتكارية لتجار المخدرات لا تقوض الدولة، بل إنها في بعض الحالات تسيطر عليها. وفي الوقت الذي تتآكل فيه سيادة القانون، فإن المستثمرين الشرعيين يهربون. ويتحدث بعض الباحثين عن "لعنة مورد" الكوكايين، حيث تشعل السيولة غير القانونية أنواع الفقر، الانقلابات والقلاقل المرتبطة بشكل أكثر شيوعاً مع الثروة النفطية المفاجئة. الخطر الماثل هو أن جيلاً جديداً من "دول المخدرات" سوف تحتضن مصدر بلاء للجريمة العابرة للحدود على أعتاب أوروبا تماماً.

يقول أنتونيو ماريا كوستا، المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجرائم في فيينا: "إننا نتحدث عن مبلغ من النقود خلقته الجريمة المنظمة من تجارة الكوكايين، الذي يعد أكبر من الدخول الوطنية. وثمة خطر بأن يعمل هذا المبلغ الضخم من النقود على زعزعة استقرار البلاد".

في العقد الماضي، ركز وكلاء تطبيق القانون الغربيين على الطريق التقليدي لشحن الكوكايين المنتج في جبال الأنديز إلى أوروبا: بواسطة البحر الكاريبي. ولكن عندئذ، لاحظوا شيئاً غريباً يحدث على طول الساحل الغربي لإفريقيا المزروع بأشجار النخيل.

في عام 2005، بدأت كميات الكوكايين التي يتم اكتشافها على السفن، أو في الطائرات الصغيرة، تقفز بعيداً عن الرسم البياني. وكان إجمالي الكميات التي تمت مصادرتها عموماً في القارة بأكملها حتى ذلك الحين أقل من طن سنوياً. بينما تظهر بيانات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجرائم أن 46 طناً من الكوكايين تمت مصادرتها منذ ذلك الحين في غرب إفريقيا فقط. حيث إن المسار يقع إلى حد ما ضمن خط العرض العاشر، فإنه استحق بجدارة اسمه "الطريق السريع رقم عشرة".

#2#

يقول ميشا جليني، مؤلف كتاب ماكمافيا McMafia، وهو كتاب يوثق الجريمة العالمية المنظمة: "خلال الأعوام الأربعة الماضية أو نحوها، أصبح غرب إفريقيا، هذه المنطقة الضخمة القوية لتوزيع الكوكايين. ونحن نتحدث عن زعزعة الاستقرار في تلك المنطقة الذي من شأنه أن يؤدي، إذا لم يتم ضبطه، إلى آلاف القتلى".

نهضة الطريق السريع رقم عشرة هي مسألة اقتصاديات ببساطة. فالطلب على الكوكايين يتنامى في مناطق عديدة من أوروبا (وفي دول الخليج)، في حين تعد السوق الأمريكية أكثر نضجاً. كما أن قوة اليورو مقابل الدولار تضيف إلى الإغراء. وزادت عمليات الحظر العدائية من جانب الولايات المتحدة وأوروبا من المخاطر في البحر الكاريبي. وفي مناطق من غرب إفريقيا، فإن رجال الشرطة الرّثين يمضون حياتهم المهنية في الغالب وهم يخترعون مخالفات السير من أجل ابتزاز النقود من السائقين. وآخر ما يمكن أن ينتهي إليه المهربون على الأرجح هو أن تكبل أيديهم.

حيث إنها تفتقر إلى ما يكفي من السيارات، الوقود أو حتى الكهرباء من أجل إدارة قوة شرطية فاعلة، فإن دولة غينيا الصغيرة كانت أول منطقة يحتلها مهربو المخدرات. وسرعان ما انتشروا شمالاً إلى السنغال، موريتانيا، جنوب شرق غينيا، سيراليون وليبيريا. وحتى غانا التي تعد ملاذاً لحوكمة الشركات، تبدي إشارات الاستسلام.

من الساحل، فإن الطرق شمالاً إلى زوايا الشوارع في أوروبا تتعدد مثل روافد دلتا النهر. وتجوب قوافل السيارات ذات الدفع الرباعي المسلحة بقوة أرجاء الصحراء محملة بالمخدرات من أجل التصدير بواسطة البحر المتوسط. وتذهب بعض الحمولات على ظهور الجمال. واكتشف ضباط الجمارك في مطار أكرا، عاصمة غانا، الكوكايين مخبأً بين علب شوربة جوز الهند. كما أن المهاجرين بشكل غير شرعي المتسخين الذين يغتسلون في جزر الكناري التابعة لإسبانيا يحملون في بعض الأحيان غرامات قليلة من الكوكايين - عملة من الأسهل حملها مقارنة بالنقود. يقول أحد ضباط تطبيق القانون المعار من دولة أوروبية إلى غرب إفريقيا: "في كل مرة نكتشف فيها اتجاهاً معيناً، يتغير هذا الاتجاه. إنها لعبة شطرنج ثلاثية الأبعاد".

أحجام الشحنات تتنامى. يقدر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجرائم أن نحو 40 طناً من الكوكايين يتم شحنها من خلال غرب إفريقيا سنوياً، وتمثل 27 في المائة من الكوكايين المستهلك من جانب الأوروبيين، بقيمة بيع إجمالية تقدر بنحو 1.8 مليار دولار (1.4 مليار يورو، 1.1 مليار جنيه استرليني). وتذكر بعض الوكالات رقماً أعلى بكثير. وفي الوقت الذي تنتقل فيه البودرة البيضاء عبر سلسلة الإمداد، فإن قيمتها ترتفع بشكل صاروخي في غضون ذلك. وبالنسبة لكل حدود يتم عبورها، يرتفع ثمن المخاطر. في إسبانيا على سبيل المثال، يمكن أن يبلغ سعر بيع الكيلوجرام الواحد ما يماثل متوسط سعر الجملة البالغ نحو 40 ألف دولار، بينما يصل سعره في السويد إلى نحو 70 ألف دولار. كما أن قيمة التجزئة في "الشارع" أعلى من ذلك.

مثل هذه المبالغ تشتري أصدقاء نافذين. في العام الماضي، اعتقلت الشرطة في غينيا بيساو شخصين، أحدهما كولومبي والآخر مكسيكي، وبحوزتهما أسلحة، ورذاذاً يشل الحركة، ومبالغ كبيرة من النقود. وفقاً لأنتونيو مازيتيللي، ممثل مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجرائم لغرب ووسط إفريقيا، فإن أحد الرجلين مدان في الولايات المتحدة بتهمة غسل الأموال لصالح القوات العسكرية الثورية في كولومبيا، المجموعة الثورية. أما الآخر، فلديه سجل إجرامي في المكسيك بتهمة التجارة بالكوكايين. غير أن الجانب الأكثر فساداً في الموضوع هو قائمة أعدها الرجلان تحمل أسماء شخصيات في مناصب رفيعة في حكومة غينيا بيساو وقواتها الأمنية – ومع كل اسم ملاحظات حول الطريقة التي يمكن بواسطتها التأثير بالاسم المرادف.

على الأرجح أن غانا كانت الحالة الأكثر وضوحاً بشأن التورط السياسي، إذ قامت محكمة أمريكية أخيراً بالحكم على إيرك أمواتينغ، وهو عضو برلمان، مدة عشر سنوات في السجن بتهمة التجارة في الكوكايين. وكان عضواً بارزاً في الحزب الوطني الجديد الحاكم الذي يتوقع العديد من مواطني غانا أن يفوز بالانتخابات العامة الشهر المقبل. ويقول مسؤول أمني رفيع المنصب سابقاً في غانا: "الإدراك العام هو أن الحكومة ذاتها عاجزة. ويختفي المتهمون الرئيسون. وإذا لم تضبط هؤلاء، فإنهم سوف يفسدون النظام برمته".

النقود التي تنطوي عليها التجارة يمكن أن تغمر اقتصادات وطنية بأكملها. القيمة السوقية لعملية مصادرة واحدة لنحو 600 كيلو جرام من الكوكايين وجدت في صندوق سيارة في غينيا بيساو في العام الماضي، كانت تعادل على الأقل 10 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي للبلاد. ويعاني الموردون الشرعيون عندما يتم غسل أموال المخدرات بواسطة استيراد البضائع التي تباع في الغالب بسعر الخصم. إضافة إلى ذلك، هناك دليل متنام على "انتشار" استخدام الكوكايين محلياً، الأمر الذي سيزيد من مخاطر الجرائم التي يذكيها الإدمان. النشاط البالغ الذي يعج فوق فوهة بركان شوارع المدن في غرب إفريقيا يمكن أن يمثل شهادة على النمو الاقتصادي الأسرع – ولكنه بالنسبة للعديد من السكان المحليين فإنه يبرهن على أن للجريمة جدوى.

يتبع العنف عمليات السلب. النزاعات المسلحة في الأحياء الفقيرة في البرازيل تبين كيف يستطيع أقطاب المخدرات بسهولة تجنيد الجنود المشاة بين الفقراء. وفي غرب إفريقيا، ثمة دليل متنامٍ على وجود حروب على الأرض بين قوات الأمن. قام الجنود في كوناكري بنهب مكاتب مجلس ضبط المخدرات خلال تمرد بشأن الرواتب هذا العام. سمعت الشرطة في غينيا بيساو أن موظفين مدنيين كانوا يفرغون شحنة من الصناديق من طائرة في القسم العسكري من المطار خلال شهر تموز (يوليو). وكشفت الكلاب البوليسية المدربة على شم المخدرات عن وجود كوكايين على متن الطائرة.

حشد العالم قوات كبيرة لحفظ السلام من الأمم المتحدة من أجل إعادة الاستقرار إلى سيراليون وليبيريا بعد الحروب التي تم تمويلها من خلال تجارة الألماس. يخلق الجر نحو الفساد عبر الكوكايين توترات جديدة. وفي العالم السفلي الذي يسود فيه مبدأ لكل شيء سعر، فإن أموال المخدرات يمكن أن تدفع التجارة بالسلع غير القانونية مثل أقراص الفيديو المدمجة المزيفة إلى البنادق من نوع إيه كيه – 47.

في شهر كانون الثاني (يناير)، وجدت سفينة تحمل علم ليبيريا وهي تحمل 2.5 طن من الكوكايين على متنها. وفي سيراليون، صادرت الشرطة في شهر تموز (يوليو) طائرة خفيفة تحمل 700 كيلو جرام من الكوكايين، ثم أطلقت حملة ليلية للبحث عن المهربين في القرى المحيطة بمطار لونجي. وكان هناك أشخاص من أمريكا الجنوبية من بين الذين تم القبض عليهم في تلك الحملة. وكانت الطائرة تحمل شعار الصليب الأحمر. وقال أحد المحققين إن المخدرات كانت معبأة لتبدو كأنها أناجيل.

يبقى رد الفعل الدولي تدريجياً. بدأ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بمناقشة القضية، كما أن الوكالات الأمنية الأجنبية، بما فيها مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي، تقوم بتوسيع حضورها. ونشرت المملكة المتحدة ضباط الجمارك للمساعدة في مراقبة مطار غانا. في العام الماضي، أنشأت سبعة بلدان من بلدان الاتحاد الأوروبي مركز تنسيق بحريا في البرتغال، لتتمكن من استخدام مواطنيها الأصليين في اعتراض السفن المشبوهة.

تعتمد عمليات الاعتقال الناجحة على الاستخبارات. عندما تتلقى الشرطة، وسادتها المدنيون الرواتب من عصابات المخدرات، فإن إفشاء معلومات سرية لن يكون عاملاً مساعداً. فالحذر في مجال ما يمكن ببساطة أن يدفع الإدارة الوسطى من البدو التابعة للمجموعات الاحتكارية إلى أسفل الساحل. ويخاطر بعض المسؤولين في غرب إفريقيا بحياتهم لدعم القانون، غير أن الوقت قصير.

في الماضي، كان الكولومبيون يسيطرون على طرق الكوكايين من المكسيك إلى الولايات المتحدة. وفي أحد الأيام، أمسك المكسيكيون بزمام السيطرة. وربما تجرب العصابات في غرب إفريقيا الأمر ذاته. وحيث إنهم مغمورون بأموال المخدرات، فإن المستثمرين المجرمين سوف يحاولون توسيع عملياتهم في أوروبا: الدعارة، بطاقات الائتمان الاحتيالية والمتاجرة بالبشر. كما أن الآثار السلبية لشم الكوكايين الأكثر سوءاً معروفة للغاية. إن ارتفاع إمبراطورية عابرة للحدود يديرها أفراد العصابات من المناطق الاستوائية القساة للغاية، تعد بطريقتها الخاصة على الأقل، مهلكة بالقدر ذاته.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية