في الأسبوع الذي انتخبت فيه أمريكا أول رئيس أمريكي – إفريقي، وأول ديمقراطي يفوز بأغلبية الأصوات الشعبية منذ 32 عاماً، كانت إحدى القصص الإخبارية المُرسلة عبر البريد الإلكتروني إلى موقع "نيويورك تايمز" الإلكتروني مادة مؤلفة من 475 كلمة حول الفستان الأحمر والأسود للمصمم نارسيسو رودريجز، الذي ارتدته زوجة أوباما عندما ألقى خطاب فوزه.
افتتان الأمة بمثل هذا النوع من التفاصيل المتعلقة بميشيل أوباما "يُعد نوعاً من الغباء، لكنه أمر تصعب مقاومته أيضاً"، كما قالت كورتيس سيتينفيلد، مؤلفة الكتاب الذي حقق أفضل مبيعات "زوجة أمريكية" American Wife، وهي رواية ترتكز على نحو غير دقيق على حياة لورا بوش: "تخضع السيدة الأولى دوماً للكثير من التمحيص والتدقيق، وأعتقد أن زوجة أوباما ستخضع إلى المزيد من التمحيص والتدقيق".
تحتل السيدة الأولى منصباً تجتمع فيه الأضاد في حياة أمريكا. فهي تحظى بمكانة كبيرة، لكنها في الوقت نفسه تحت عدسة منظار مكبر على الدوام. فزوجها هو السياسي الأول في البلاد، ووظيفتها الرئيسية هي مساعدته في ذلك. لكن عليها دوماً أن تتذكر أنها لا تملك منصباً منتخباً، ولا قوة سياسية مستقلة. إنها الأنثى الرسمية الأولى، حرفياً السيدة الأولى، في دولة لا تزال تؤكد على الدور الملائم للنساء في الحياة العامة والخاصة. وإذا حدث وكانت السيدة الأولى أمريكية – إفريقية، فذلك رمز على عرقها. آه، وعليها أن تكون قادرة على اختيار الرداء المناسب لكل مناسبة بدقة.
تقول سيتينفيلد إن سنوات التكوين في حياة زوجة أوباما التي قضتها عضوا في الأقلية العرقية في مؤسسات النخبة، وهي تمتد من "ماجنت" ـ مدرسة ثانوية التحقت بها في شيكاغو ـ إلى برينستون ومدرسة هارفارد للأعمال، ربما تكون سبباً في جعلها واثقة تماماً في قدرتها على أداء دورها الجديد الواضح للعيان: "تلك الظاهرة، وهي أن تكون خاضعاً للكثير من الدراسة والتحليل، وأن يكون هناك أناس ينظرون إلى سلوكك ضمن سياق رمزي، ذلك على الأرجح أمر مرّت به في أغلب حياتها، وبالتأكيد أكثر من معظم السيدات الأول البيض".
أكثر المحللين عمقا لزوجة أوباما، هو زوجها. ففي كتاب "جرأة الأمل" The Audacity of Hope يعرّفها باراك أوباما بأنها "ذكية، ومسلية، وفاتنة بكل معنى الكلمة". فحين التقى لأول مرة بهذه السيدة البالغة الآن 44 عاماً من العمر ـ قبل عقدين من الزمن ـ كانت مستشارته الصيفية في سيدلي أوستينSidley Austin، وهي شركة متخصصة في قانون الشركات، كان أول ما أُغرم به طولها. "إنها جميلة للغاية أيضاً، برغم أنه ليس على نحو يبهر الرجال، ولا الذي تجده النساء مربكاً؛ لكنه جمال حيّ لأم وعاملة مشغولة".
أثناء الحملة المرهقة، عُرف الرئيس المنتخب بـ "أوباما غير الدرامي" بسبب مزاجه المعتدل. وهي ميزة تشاطره فيها زوجته. "فهي متواضعة للغاية ورزينة". وكما قال هارولد فورد، وهو مصرفي استثماري، وعضو سابق في الكونجرس من ولاية تينسي، وأحد أوائل الداعمين: "إنها لا تسمح للمستويات المرتفعة بأن تعلو إلى أعلى قممها، ولا المنخفضة بأن تنخفض إلى أدنى مستوياتها".
امرأة كادحة، وعاملة طموحة. زوجة أوباما جزء لا يتجزأ من عائلتها، ومجتمعها. عادت إلى مدينتها الأم، شيكاجو، بعد التخرج، وتعيش هناك منذ ذلك الحين. وترعرت هي وأخ أكبر لها، كريج، في منزل من طابق واحد في الناحية الجنوبية من المدينة مع والدتهما، ماريان روبنسون، وكانت متفرغة لمنزلها، ووالدهما، فريزر، وكان يعمل مشغّل مضخة في دائرة المياه في المدينة.
"الفرحة التي كانت تغمر منزل روبنسون"، التي لم يفسدها سوى تصلب الأنسجة المتعدد الذي كان يصيب روبنسون، كانت جزءاً من جاذبية ميشيل التي شدّت باراك كثير التجوال، وفاقد الأب منذ فترة طويلة، والذي يعود أصله إلى عرقين مختلفين. وبمشاطرته حياتهم المنزلية، جعله ذلك، كما كتب "يتوق بسرعة إلى الاستقرار، وكان هناك إحساس بالمكان لم يسبق لي أن أدركته".
وإلى أن حانت الحملة الرئاسية، طالما عملت زوجة أوباما خارج المنزل. فقد تركت شركة قانون الشركات بعد ثلاث سنوات فقط من العمل هناك، ساعية للبحث عن وظائف أكثر ارتباطاً بمجتمعها؛ من مكتب عمدة البلدية، إلى إدارة مؤسسة غير حكومية، حتى منصبها الأخير نائبة رئيس مستشفيات جامعة شيكاجو. لكن تنشئة عائلتها الخاصة بها، وبالأخص ابنتيها؛ ماليا Malia (عشر سنوات) وساشا Sasha (سبع سنوات)، كانت محور حياتها. "إن ابنتيها أول ما تفكر فيه حين تستيقظ من النوم صباحاً، وآخر ما تفكر فيه قبل أن تخلد إلى النوم في المساء"، بحسب جودي بايرد بلايلوك، وهي صديقة وداعمة سياسية.
قال جون روجر، الذي يشغل منصبا رفيعا في صندوق شيكاجو المالي، وكان على معرفة بعائلة روبنسون منذ أن لعب هو وكريج معاً في فريق برنتستون لكرة السلة: "إنه نمط حياة سليم تماماً لهؤلاء الأطفال"، وستكون له الأولوية حين تنتقل عائلة أوباما إلى واشنطن. "أعتقد أن البيت الأبيض سيكون مكاناً تغمره عائلة مسلية".
واستذكر المزاج الذي كان يعمّ جناحهم في سبيرنجفيلد، في إلينوي قبل عامين، حين أطلق السناتور أوباما حملته الانتخابية: "أدهشني عدد الأطفال الذين يركضون في المكان ذهاباً وإياباً. أرادوا أن يؤكدوا على أن تكون تلك مغامرة ممتعة ليس لهم وحدهم فحسب، لكن لأطفالهم أيضاً".
إن الجمع بين العمل، والعائلة، والسياسة، لم يكن دوماً أمراً سهلاً بالنسبة لعائلة أوباما. ففي سيرته الذاتية، يكتب أوباما "حين وُلدت ساشا، كان بالكاد يمكن احتواء غضب زوجتي تجاهي". ويستذكر: "وجدت نفسي في موضع نقاشات لا نهاية لها بشأن كل تفصيل من تفاصيل تدبير المنزل، وقوائم طويلة بأشياء كنت بحاجة إلى أن أقوم بها، أو نسيت القيام بها، وفي العادة أمام موقف متجهم".
إنه حديث مألوف بالنسبة للكثير من عائلات أمريكا المؤلفة من زوجين عاملين. لينيت كليمتسون، المحررة الإدارية للموقع الإلكتروني الموجّه للسود The Root، قالت إن إحدى أولويات زوجة أوباما كسيدة أولى، هي التركيز على تلك المعضلات في موازنة حياة العمل، وبخاصةً التحديات التي تواجهها زوجات العاملين في الجيش.
لكن رغم كل قوتها، وتجليها، فإن زوجة أوباما لا تسعى بوضوح إلى تولي دور سياسي مستقل، بعكس ما ادعاه على نحوٍ مثير للجدل، محامي اتحاد مجموعة الجامعات الثماني عن السيدة الأولى، هيلاري كلبنتون. ففي الفقرة الثانية من وصفه لزوجته، يؤكد أوباما بصراحة أن "ميشيل لن تلتحق إطلاقاً بعالم السياسة". ويقول إن ذلك لأنها "لا تتحلى بالصبر"؛ وذلك قرار ماكر من امرأة، وزوج، وعائلة، سيتحتم عليهم رسم طريق صعب للغاية للمضي فيه دون وجود نقطة الوميض العامة الكامنة، الإضافية تلك أصلاً.
بمجرد العيش في البيت الأبيض، ستصنع زوجة أوباما تاريخاً سياسياً، وستوصل رسالة سياسية قوية. "لا نزال نعيش في زمن تُعتبر صورة امرأة طويلة، ذات بشرة داكنة تماماً أنموذجا للجمال والإنجاز، صورة أخّاذة"، كما قالت كليمتسون. "ما زلت أتجمّد بلا حراك في مكاني بطريقة عاطفية للغاية حين أرى صورة لها، وبخاصة إذا كانت تشمل ابنتيها. وتدهشني حقيقة أن هؤلاء الإناث الثلاث سيعشن في البيت الأبيض، ولن يطهين الطعام مجدداً، ولن يقمن بتنظيف المنزل مجدداً، بل سيُقِمن هناك".

