النقود .. الجنون المالي والانهيارات
إذا كنت معتاداً، انسجاماً مع الأجواء العامة لهذه اللحظة، على التفكير بأن خبراء المال جميعاً طفيليون ومخادعون، أو فقط جشعون عاديون، ستجد العديدين ممن يدعمون وجهة النظر هذه في الكتاب الجديد لنيال فيرجسون.* القصص التي يرويها عن الطفرة والانفجار، وعن النصر والكارثة، وعن الفقاعات التي تتضخم، الأمر الذي يخلق ثروات مذهلة تختفي بعدئذ عندما تأتي الدبابيس لتفجرها، تمثل تحديداً جوهر التاريخ المالي. لكن ثمة المزيد لهذا التاريخ، ولهذا الكتاب أيضاً، من ذلك. وبناءً عليه ستكون خائب الأمل إذا كان ما تتوق إليه هو إدانة التمويل وجميع أعماله، لأن فيرجسون يجادل بالقول إننا سواء أعجبنا ذلك أم لا – وفي معظم الأحيان يجب أن يعجبنا – التمويل حيوي للتقدم الإنساني، وكان كذلك على الدوام.
لا أحد يكتب مثل ذلك التاريخ سيكون قادراً على مقاومة أن يروي ثانية قصة فقاعة بحر الجنوب، أو خطة المسيسبي الأكبر التي تتزامن معها، التي كان يحلم بها القاتل الاسكتلندي المدان، جون لو، الذي ابتكر في أوائل القرن الثامن عشر هوس المضاربات في باريس، والتي يمكن أن يقال على نحو مبرر إن انهيارها وضع أساسات الثورة الفرنسية عام 1789.
يروي فيرجسون، الاسكتلندي المولد، وأستاذ التاريخ في هارفارد، إضافة إلى كونه محرراً مساهماً في صحيفة "فاينانشيال تايمز"، هذه القصص المألوفة كما يرويها معظم المؤلفين، وفي بعض الأحيان بشكل أفضل. وهكذا يجب أن يفعل، لأنه جعل التاريخ المالي حقل اختصاصه، فقد ألف في السابق كتباً تتمتع باحترام بالغ مثل "رابطة النقود" The Cash Nexus (2001)، و"منزل روتشيلد" of Rothschild The House (1998)، والتي ظهرت فيها هذه القصص فعلياً – على الأخص تفنيده الدقيق للأسطورة بأن ناثان روتشيلد حقق ثورة من نصر ويلينغتون في معركة ووترلو، عندما أوشكت تلك المعركة في حقيقة الأمر على تدميره. (قام روتشيلد بتمويل حملة ويلينغتون ضد نابليون على افتراض أن الحرب ستكون طويلة. غير أن معركة ووترلو حسمت الأمر بسرعة للغاية. وأنقذ نفسه بالمراهنة بشكل كبير في سوق السندات).
لا تنبثق استحقاقات كتاب "صعود النقود"، على أية حال، من مثل تلك الوقائع من التهور المالي، بل من قدرة فيرجسون غير العادية على إظهار كيف أن التمويل في أوسع معانية تطور لدعم، وفي بعض الأحيان نتيجة، التطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الأخرى خلال الألفية الماضية.
كان الإقراض موجوداً منذ أن بدأت النقود والتجارة، وتم اختراع السندات الحكومية في القرن الثالث عشر، كوسيلة في واقع الأمر لجمع العوائد من الجمهور دون فرض العديد من الضرائب (على الرغم من أنها ارتقت إلى الأمر ذاته عندما تخلفت الحكومات عن السداد)، ومن القرن السابع عشر فصاعداً، عملت شركات الأسهم المشتركة على تمكين المستثمرين من التضامن معاً لاتخاذ المخاطر، وعلى الأخص المخاطر الخارجية.
تم تأسيس أول صناديق للتأمين بواسطة رجال الدين الاسكتلنديين في القرن الثامن عشر، وسرعان ما أصبحت وسيلة للحماية ضد المخاطر المحسوبة. وأول أدوات يومنا هذا التي تحظى بأسوأ سمعة، المشتقات، ظهرت على شكل عقود آجلة وخيارات خلال القرن التاسع عشر. وبدأت القروض العقارية للمنازل، وفي أغلب الأحيان إلى جانب منفعة الإعفاءات الضريبية ووسائل التشجيع الرسمية الأخرى، في الانطلاق فعلياً في النصف الثاني من القرن العشرين، سواء كانت تلك القروض مقدمة لضعاف الملاءة أم لغيرهم.
في واقع الأمر، التأمين والقروض العقارية هما الكلمتان اللتان تشكلان هذا الكتاب، وربما أن الأمر الذي يدعو إلى الدهشة، هو أن الكتاب أكثر إشباعاً للقراءة من العديد من الكتب الأخرى حول حالات الجنون المالي والانهيارات. وساهم توضيح كيف تم اختراع صناديق التأمين للتأقلم مع أعباء حالات الترمل الملقاة على عاتق كنسية اسكتلندا، في تمكين فيرجسون من إثبات كيف أن مثل تلك الجهود للتعامل مع المخاطر هي التي أدت إلى تأسيس دولة الرفاه. وعن طريق التوضيح كيف أن القروض العقارية لشراء المنازل أصبحت أداة سياسة، ومزيج شعبي ثقافي من الادخار والمضاربة، يمكن أن يثبت أيضاً كيف أن الانهيار المالي في يومنا هذا لا ينشأ عن الاحتيال أو السلوك السيئ فحسب، وإنما أيضاً عن مزيج من الجذور في السياسة، وسياسة الاقتصاد الكلي، والتنظيم المالي، والمواقف الاجتماعية – وبطبيعة الحال عن الجشع.
خلال هذه العملية الطويلة من ابتكار وتدمير الأفكار، والأدوات، والشركات، وحتى البلدان، كان التمويل عنصراً لا يمكن فصله عن باقي الرأسمالية والمجتمع. وهو ليس نشاطاً منفصلاً نوعاً، أو جامحاً، أو طفيلياً، كما يفضل أن يزعم ناقدوه. ولا يوجد ما يطلق عليه "رأسمالية التمويل" التي يتوقع نهايتها حالياً العديد من نقادها. ولم يكن للرأسمالية أن تكون موجودة دون التمويل، ولا الحكومة كذلك، بالنظر إلى متطلباتها للاقتراض، وغطائها من سندات وفواتير الخزينة، ومساعداتها الضريبية من أجل ملكية المنزل، والاستثمار من قبل الشركات الصغيرة، أو بغض النظر عن المذاق السياسي لتلك اللحظة الراهنة.
إن التمويل، حسبما يقول فيرجسون في جملته الختامية المثيرة للإعجاب، "مرآة بني البشر، ويكشف في كل ساعة من ساعات كل يوم عمل، عن الطريقة التي نقيم بها أنفسنا ومواردنا في العالم الذي يحيط بنا. وليس خطأ المرآة إذا عكست عيوبنا بالوضوح ذاته الذي تعكس به جمالنا." وفي حقيقة الأمر لا: وربما أضاف أيضاً، إنها الطريقة التي يمكن بواسطتها أن تتخذ أفكارنا وحماسناً شكلاً ملموساً، وأيضاً الطريقة التي يمكن بواسطتها أن تتفوق بها عواطفنا، المتفائلة والمتشائمة، والعقلانية وغير العقلانية، علينا.
جاء هذا الكتاب في الوقت المناسب – غير أن هذا التوقيت يحمل أيضاً تكلفة ما. ومثل كتاب فيرجسون السابق "حرب العالم" The War of the World (2006)، فإن كتاب "صعود النقود" يعطي الشعور بالاستعجال، على الأخص بالنسبة لكتاب ألفه عالم. إن عاصفة الأفكار، والصور المخادعة التي ترحب بالقارئ، كان من الممكن في أغلب الأحيان أن تستفيد من الفكرة الأكثر صرامة. فمن الصعب مثلا، رؤية ما يمكن أن تساهم به في حقيقة الأمر صفحات متعددة تأخذ في عين الاعتبار أوجه التشابه بين التطور المالي، والتطور الإحيائي، ولا في حقيقة الأمر، المقارنة بين السندات الحكومة وجيمس بوند. وفكرته بأنه يمكن إلى حد ما التفكير بالصين وأمريكا بصفتهما اقتصاداً واحداً "صينامريكا" هي فكرة بلا معنى في عالمنا المختلف المترابط، تماماً مثلما كانت الفكرة المماثلة في الثمانينيات بأن اليابان وأمريكا كانتا متحدتين فعلياً على الصعيد الاقتصادي، والمعروفة باسم "نيشيبي" في الاختصار الياباني من جانب البلدين.
رغم كل ما قيل، توقيت هذا الكتاب يمكن أن يبرهن رغم ذلك أنه مفيد – إلى جانب السلسلة التلفزيونية المصاحبة له – لأنه ينبغي أن يشجع على وجود وجهة نظر أكثر تفاؤلاً، وتثقيفاً على الصعيد التاريخي، للأزمة الحالية، من وجهة النظر السائدة حالياً. وكتاب "صعود النقود" يستحق القراءة لهذا السبب فقط. وربما أن النقود في هبوط في الوقت الحاضر، لكنها ستصعد ثانية، كما فعلت في الماضي على الدوام.
ـــــــــــ
*The Ascent of Money: A Financial History of the World
By Nial Ferguson
Allen Lane
بيل إموت كان رئيسا لتحرير "ذي إيكونومست" منذ عام 1993 حتى عام 2006، ومؤلف الكتاب الذي صدر أخيراً "المتنافسون: كيف سيعمل صراع القوة بين الصين، والهند، واليابان، على تشكيل عقدنا التالي" Rivals: How the Power Struggle between China, India and Japan will Shape our Next Decade (Allen Lane)
لا يوجد تعليقات