الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 9 يونيو 2026 | 23 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

تساؤلات كبيرة في عالم سريع التغير

مارتن وولف
الجمعة 21 نوفمبر 2008 4:41
تساؤلات كبيرة في عالم سريع التغير
تساؤلات كبيرة في عالم سريع التغير

هل الديمقراطية الليبرالية أنموذج عام للمجتمعات الحديثة؟ وهل يمكن للرأسمالية الاستبدادية للصين وروسيا أن تحل محلها؟ وهل النظام العالمي الذي أوجدته القوى الغربية بعد الحرب العالمية الثانية عتيق الطراز، وإذا كان كذلك فما الذي يمكن أن يحل محله؟ هذه تساؤلات كبيرة تستحق اهتماما شديدا.

في أعقاب نهاية الحرب الباردة ألّف فرانسيس فوكوياما، وهو الآن في كلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة واشنطن العاصمة، كتابه "نهاية التاريخ والرجل الأخير" The End of History and the Last Man.

وأوحي في هذا الكتاب "أن ما قد نشهده ليس نهاية الحرب الباردة، أو مرور فترة معينة من تاريخ ما بعد الحرب، بل نهاية التاريخ بحد ذاته (...) أي نقطة النهاية للتطور الأيديولوجي للجنس البشري وتعميم الديمقراطية الغربية الليبرالية كآخر شكل من أشكال الحكم الإنساني".

هذا الادعاء طموح أقل ـ أو أكثر ـ مما يفترض طابور الناقدين للأستاذ فوكوياما ، وإذا كان هذا الادعاء أقل طموحا فذلك لأنه لا ينكر ما تتكشف عنه الأحداث، لكن وفقا لتحليله التاريخ لا يتكون من الأحداث وإنما من الأفكار، وإذا كان التاريخ أكثر طموحا فذلك لأنه زعم تحديد نهاية للتقدم الإنساني.

وأن تكون الأحداث واصلت الظهور فهذا شيء واضح. وتزايد الجهادية واحد من بين أمثلة كثيرة. لكن إذا لم ير المرء أن نصا ما يوفر أجوبة موثوقه للتحديات التي يواجهها التنظيم الإنساني والاجتماعي والسياسي، فإن هذا لا يدحض فرضية البروفسور فوكوياما. فالحركة تبدو ردة فعل إزاء الأفكار الغربية حول التنظيم السياسي والاقتصادي أكثر من كونها بديلاً موثوقاً لها.

والأمر الأكثر إثارة للاهتمام يتمثل في ظهور القوة العالمية للصين الشيوعية وروسيا الاستبدادية. فهاتان قوتان كبيرتان تقليديتان تملكان قوات عسكرية مهمة واقتصادين صاعدين. وهذا ينطبق على الصين بصفة خاصة. فبفضل نموها الاقتصادي الاستثنائي وعدد سكانها الضخم، يبدو من المؤكد أن الصين ستصبح ذات وزن كبير على الساحة العالمية.

لكن القوة المتزايدة لمثل هذه القوى الاستبدادية لا تفند فرضية البروفسور فوكوياما. فهذان بلدان فقيران نسبيا، إذ يقدر البنك الدولي أن إجمالي الناتج المحلي للفرد في الصين، بمكافئ القوة الشرائية، يبلغ ثمن معدل مداخيل الدول ذات الدخل العالي، بينما يقدر إجمالي الناتج المحلي للفرد في روسيا بالثلث.

لقد درجت العادة على القول إن الحكم المستبد يؤدي على الأقل إلى النمو السريع للدول الفقيرة، لكن الأنظمة الاستبدادية فاسدة وغير كفؤة في أغلب الأحيان. وفي الوقت ذاته، الحكام المستبدون المصممون قد يحشدون الثروات ويتجاوزون المصالح المعيقة بقسوة تصعب، أو تستحيل في نظام ديمقراطي.

لذلك، من الممكن أن تواصل الصين نجاحها اقتصاديا في ظل سيطرة الحزب الشيوعي بشكل أفضل من الهند تحت توجيه ديمقراطية متفككة. لكن أن تفعل ذلك أمر لا علاقة له بالكيفية التي يدير بها مجتمع ذو دخل عال، ومتحضر جدا، وذو تعليم، شؤونه.

الدول الاستبدادية الجديدة يمكن أن توفر في حقيقة الأمر أنموذجا سياسيا بديلا للدول النامية الأخرى - وهو أنموذج سيجده كثير من القادة السياسيين جذابا. لكنها لا توفر بديلا موثوقا للديمقراطية الليبرالية كشكل من أشكال الحكم للدول ذات الاقتصادات المتطورة وذات الدخل العالي.

#2#

فهل يوجد أنموذج اقتصادي بديل مطروح: الجواب "كلا"، إذا كان المرء يعني أن هناك بديلا قابلا للحياة لاقتصاد السوق. والجواب "نعم"، إذا كان المرء يعني متغيرات قابلة للحياة لاقتصاد السوق.

الاختلافات الكبيرة بين الدول ذات الدخل العالي حول حجم الدولة وسخاء أنظمة الرفاه الاجتماعي وهيكل الإدارة المؤسسية وانتشار الأسواق المالية، كلها تظهر الاختلافات المحتملة. ومرة أخرى ربما يكون من السخف أن تحاول الدول النامية أن تصبح مماثلة للولايات المتحدة. ولا يزال هذا أكثر وضوحا في ضوء أزمة اليوم المالية. فالدول النامية لا تختلف فقط عن الدول ذات الدخل العالي، بل تختلف إحداها عن الأخرى، وهي تحتاج بشكل لا مفرّ منه إلى سياسات ومؤسسات مختلفة.

والآن دعونا نتحول إلى النظام الدولي. كيشور ماهبوبابي، من سنغافورة، وهو ناقد ودي، يدين الغرب لأنه وضع مصالحه فوق قيمه. لكن هذا النقد يبدو حافلا بأخطاء مزدوجة، أولها أن ما من أحد يضع القيم فوق المصالح دائما، والثاني أن الغرب ليس واضحا في قيمه.

من هنا، في الغرب المعاصر، توجد تناقضات لم يتم حلها بين تركيز على السيادة وتركيز على حقوق الأفراد، بين الإيمان بميزان القوى والرغبة في وفاق بين الدول، بين مقاومة مطالب القانون الدولي والعمل على تطبيقه الملزم، بين تقبل حتمية الصراع والآمال في التعاون، وبين الاعتماد على القوة العسكرية والرغبة في تفاهم سلمي.

وهذه الصراعات تجري داخل الدول الغربية الرئيسية، وعلى الأخص الولايات المتحدة، وهي أيضا تجري بين الولايات المتحدة وأوروبا الغربية. وفي الوقت ذاته، الدول غير الغربية - ولاسيما الأقوى والأكثر استبدادية – تؤكد على الإيمان بالسيادة وعدم شمولية حقوق الإنسان.

وهذه إلى حد ما قضية حفظ ذات. بالنسبة لضحايا الاستعمار التدخل الخارجي مهما كان دافعه الظاهري مفيدا، فهو تدخل حافل بالتهديد. إنه يهدد بشكل خاص الأنظمة التي يعتبرها الغرب معادية واستبدادية.

لكن مهما كانت الدول غير الغربية متشككة في النظرة الغربية ذات الطبيعة العالمية universalism فإنها لا تعارض التعاون. وهذا ينطبق بشكل خاص على الاتفاقيات الاقتصادية المصممة لإبقاء الأسواق مفتوحة. لكنها قلقة، مرة أخرى، من الشروط الأحادية التي تفرضها المؤسسات التي يسيطر عليها الغرب، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أو مما تراه فتح أسواق غير منصف ومحفوف بالمخاطر ضمن منظمة التجارة العالمية.

باختصار، حين يرى الغرب تمردا، يرى الآخرون نفاقا. فالغرب يتقدم بمطالب، لكنه يقاوم تطبيق مثل هذه المطالب ذاتها. وكما يقول ماهبوبابي، الغرب يحض على القيم، لكنه يعمل وفق مصالحه.

لكن هناك أيضا قضية القوة. ولأن هذا القرن يشهد تحولا كبيرا في ميزان القوى الاقتصادي والسياسي والعسكري، فإن الصراعات حول طبيعة النظام العالمي وحول أمور أكثر دنيوية - خصوصا الوصول إلى الثروات والأسواق - أمر مؤكد. وس تصبح أكثر احتمالا وخطورة كلما أصبح الوصول إلى الثروات والأسواق أكثر تقييدا.

وفي عالم اليوم الذي يعتمد بعضه على بعض، يبدو من المؤكد أن تنتهي سياسة القوى التقليدية بكارثة. لكن عالما يتصف بتعاون سلمي فقط عبارة عن وهم. فالنظام العالمي يتعلق بإضفاء الطابع المؤسسي على السعي إلى مصالح مشتركة أكثر من البناء على قيم مشتركة. والعمل البارع سيكون في تسخير القوة من أجل التعاون.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية