أدرك رئيس الشركة الجديد بعد فترة وجيزة من تسلم مهام عمله أن شركته تعاني عدة مشكلات تتسبب في تدني مستوى الإنتاجية، يأتي في مقدمتها انخفاض الروح المعنوية لدى العاملين، فأكثرهم غير راضين عن سياسة الحوافز والمكافآت التي كانت تتبعها الشركة في السابق، لأنها من وجهة نظرهم تفتقر إلى العدالة والمصداقية. لقد تكررت هذه الشكوى كثيرا في كل موقع من مرافق الشركة قام الرئيس بزيارته، فالعاملون في معظمهم يرون أن من يشغل الوظائف القيادية ومن يعمل بإدارة المبيعات يستأثر بالحوافز والترقيات والرواتب الجيدة، وبالتالي صار هذا الانطباع والإحساس يشعرهم أن عملهم أقل أهمية في نظر الإدارة فيفقدهم الحماس في الأداء والرغبة في الإنجاز، لذلك أصبح لدى الرئيس الجديد قناعة تامة أن إجراء أي خطوات تطويرية لتحديث النظام المالي والإداري وإعادة صياغة الخطط الاستراتيجية للشركة بغرض تصحيح الأوضاع سيصطدم بهذا الواقع.
ولكي ينتشل العاملين من المشاعر السلبية المنتشرة وسط شريحة كبيرة منهم ويعيد الثقة لإدارة الشركة، رأى الرئيس الجديد أن يبدأ أولا بخطوة استباقية تعمل على رفع الروح المعنوية عند العاملين، فقرر أن يطور ويطبق برنامجا جديدا للحوافز والمكافآت يساوى بين الجميع في الأسس والضوابط وإجراءات الصرف، بحيث تكون معلنة وواضحة وشفافة لا تسمح لأحد أن يشكك في مصداقيتها وعدالتها، فعقد اجتماعا مع مسؤول الموارد البشرية والمسؤول المالي وأبلغهما بفكرة البرنامج الذي يرغب تطبيقه في العام المقبل وطلب منهما أن يصوغا الأهداف والمعايير التي يجب تحقيقها لكي يحصل العاملون على الحوافز والمكافآت التي يقدمها البرنامج. بعد ذلك قام رئيس الشركة بمناقشة الأهداف والاتفاق عليها مع المسؤولين في الإدارات. لقد كانت أهدافا واضحة فيها قدر من التحدي لقدرات العاملين قسمت إلى ثلاثة أجزاء، الأول منها أهداف عامة للشركة، والثاني أهداف خاصة بكل إدارة، والأخيرة أهداف الموظف لكي تشكل مجتمعة المعيار الأساسي لصرف المكافآت، لتترابط مصالح الجميع بعضها مع بعض وتصبح الإدارات في تنافس فيما بينها لتحقيق أهدافها وليحصل منسوبوها على الحصة الأعلى من المكافأة التي قسمت هي الأخرى إلى ثلاثة مستويات.
بعد الانتهاء والاتفاق على الجزء الإعدادي والتنظيمي للبرنامج بدأ العمل بمرحلة التعريف والتسويق له، فتم إعداد منشور صغير طبع بشكل جذاب يشرح البرنامج بصورة تفصيلية سلمت نسخة منه لكل عامل، ثم شرع رئيس الشركة في عقد عدة اجتماعات مع العاملين أولها كان في بداية العام للإعلان عن البرنامج وإطلاق شارة بدء العمل، ليعقب ذلك اجتماعات أخرى تعقد مرة كل ثلاثة أشهر يطلع فيها العاملون على مستوى أداء الشركة في كل ربع سنة ويستعرض معهم ما قامت كل إدارة بتحقيقه من إنجاز مقابل الأهداف المتفق عليها وما الواجب عمله للمحافظة على مستوى الأداء أو تحسينه، وفي ختام كل اجتماع يعطي الفرصة لكل العاملين الراغبين في التعليق أو طرح الأسئلة لتوضيح ما جرى الحديث عنه وتبيان ما التبس فهمه.
لكن ماذا حصل بعد ذلك؟ لقد تبدل الحال تدريجيا، فبعد أن كانت الأسئلة الشخصية والحديث ذو الطابع الانتقادي عن الأوضاع في الشركة هو المسيطر على أسئلة وأحاديث العاملين، أصبح الكل يركز في تعليقه وأسئلته على الأداء والإنتاجية ويقدم الاقتراحات التي من شأنها معالجة المشكلات والمعوقات التي تواجه الشركة. لقد أضحت الرؤية واضحة لدى الجميع، فالكل يعرف ماهية أهداف الشركة وأهداف الإدارات، وما الذي ينبغي فعله لتحقيق تلك الأهداف، وما النتائج التي أنجزت في كل مرحلة؟ لقد ارتفعت المعنويات وأصبح الكل يشعر أنهم في مركب واحد وعلى الجميع بذل الجهد الكافي لنجاة المركب، فلم تعد هناك ممارسات إدارية تشعر بعض العاملين أنهم أقل أهمية للشركة من البعض الآخر، فالكل بالنسبة للشركة سواء ويحظى بالقدر نفسه من الأهمية، لأن له دور يسهم من خلاله في النجاح المنشود وسيكون عائد النجاح مشتركا بحسب الجهد المبذول من كل طرف.
لقد استطاع الرئيس الجديد أن يجمع الجميع حول أهداف الشركة عندما أشركهم في الإدارة وشاركهم في المعلومات، فلم يعد هناك أسرار على بعض من يعمل في هذا الكيان، فالكل جزء منه ولهم الحق في أن يعلموا ماذا يدور من نشاط خلف الكواليس، وما حقيقة الأوضاع، حتى وإن كانت سيئة، فأصبح الجميع أكثر فاعلية في أعمالهم وأكثر عقلانية في توقعاتهم.
