الغاز الطبيعي هو الوقود الأحفوري الذي مر بأكبر تغير خلال العقد الماضي، فيما يتعلق بإنتاجه، نقله، واستخدامه.
إن تحول اقتصادات الغاز الطبيعي المسال من خلال استغلال اقتصادات الحجم الكبير، مكن من تطوير المورد الذي بقي مهملا في السابق، وفي الوقت ذاته رسخ قدمه وقودا مفضلا لتوليد الطاقة الكهربائية في أوروبا والولايات المتحدة.
وبالنسبة لصناعة مزدهرة، ولا سيما في الولايات المتحدة، أسهمت التطورات التقنية في إنتاج غاز "غير تقليدي" محبوس داخل صخور كان يتعذر الوصول إليه سابقاً.
وكذلك برز الغاز باعتباره فرصة جذابة لشركات النفط العالمية الكبرى، التي تكافح بشدة من أجل تأمين النفاذ إلى الموارد. وعندما قررت IOCsالدخول في الدول الغنية بالموارد، اثنتان من المنافع الرئيسية كانتا الحصول على التقنية والنفاذ إلى الأسواق.
وفي مجال إنتاج الطاقة، معظم التقنية محتكرة من قبل الشركات الوطنية، أو شركات الخدمة التي يمكن أن تستأجرها، والنفاذ إلى الأسواق خارج عن الموضوع: النفط سوق عالمية سائلة وهناك دائما من يحتاج إليه، إذا كان السعر مناسباً. أما الغاز، على الجانب الآخر، فإن بعض التقنية محتكر بواسطة عدد أقل نسبياً من الشركات، ووجود مركز رئيسي في أسواق الدول المتقدمة مهم من أجل تعظيم قيمة المبيعات.
لكن رغم توافر كل عناصر الجذب تلك، فإن صناعة الغاز تواجه صعوبات: أهم شيء هو تأخير المشروعات وارتفاع تكلفة الإنتاج والنقل بسبب نقص الكادر البشرى، الأجهزة، المعدات، والموارد.
وضغط الطلب على الغاز يأتي من استخدامه المتصاعد لتوليد الطاقة الكهربائية، ومصدرا للحرارة في الاقتصادات الناشئة.
وتعد محطات الطاقة التي تعمل بتوربينات الغاز من بين أرخص أشكال التوليد الكهربائي من حيث الاستثمار، ويمكن أن تكون من ضمن أرخص المحطات التي يمكن تشغيلها. كذلك هي الأسرع تشييداً، ما يجعلها جذابة بالنسبة إلى شركات توليد الكهرباء التي تسعى إلى إدارة التباينات متوسطة الأجل في مجال العرض والطلب.
كذلك باتت الضغوط من أجل التحكم في انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري تسهم في استخدام الغاز الطبيعي. إذ إن انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون لكل كيلو واط ساعة من الكهرباء المولدة بواسطة محطات توليد الكهرباء التي تعمل بالغاز، عادة ما تعادل نصف حجم الانبعاثات من المحطات التي تعمل بالفحم. وفي أوروبا غالبية محطات توليد الطاقة الكهربائية قيد الإنشاء تعمل بالغاز. وبحسب تعبير مجموعة الأسهم الخاصة 3i في تقرير حديث: "نحن نعتقد أن نقص موارد الطاقة الأخرى المجدية اقتصاديا والأسرع توسعا من حيث الإنتاج لسد الاحتياجات المتنامية لأوروبا، لا بد أن يؤدي إلى اندفاع جديد نحو الغاز".
وفي الولايات المتحدة، ما زال الفحم يولد نحو نصف احتياجات البلاد من الكهرباء، لكن حجم توليد الطاقة الكهربائية بواسطة الغاز ارتفع بمعدل 4.6 في المائة سنوياً في المتوسط خلال الفترة 1995 ـ 2006. وكشفت دراسة أجرتها إدارة معلومات الطاقة EIA العام الماضي أن مرافق توليد الكهرباء الأمريكية تعتزم إضافة 46 ألف ميجاواط من الطاقة الكهربائية المولدة بالغاز و29 ألف ميجاواط فقط من المولدة بالفحم في الفترة 2007 ـ 2011، مبينة أن المحطات التي تعمل بالفحم تواجه معارضة قوية من قبل جماعات المحافظة على البيئة.
وفي الاقتصادات الناشئة، تتوقع وكالة الطاقة الدولية، جهاز الرقابة التابع للدول الثرية، نمو استخدم الغاز في توليد الكهرباء، لكن هناك أيضاً طلبا متزايدا على الغاز للتدفئة والطبخ.
وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يرتفع الطلب الصيني على الغاز بمعدل 6.5 في المائة سنوياً ما بين عامي 2005 و2030. وبحلول ذلك الوقت سترتفع نسبة الغاز المستخدم في توليد الطاقة الكهربائية من السدس إلى نحو الثلث.
وتلبية ذلك الطلب المتنامي ستشكل تحدياً. فمشاريع إنتاج الغاز الكبرى، مثل "غورغون" قبالة ساحل أستراليا، تضررت ضرراً بليغاً جراء التأخير والتكاليف الهائلة. وربما تساعد الاضطرابات المالية العالمية على تخفيف الضغط في سلسلة الإمداد، لكنها أيضاً تهدد التمويل الذي يحتاج إليه المنتجون للاستثمار. وتواجه شركة الطاقة الروسية المملوكة للدولة "غازبروم"، مثلا، ضغوطاً متزايدة يعتقد بعض المحللين أنها تهدد خطط الاستثمار في مجال إنتاج ونقل الغاز في روسيا.
ولدى نشر تقرير وكالة الطاقة الدولية الخاص بالآفاق متوسطة المدى لصناعة الغاز في أيلول (سبتمبر)، قال نوبو تاناكا، الأمين العام للوكالة: "غموض الاستثمار وتصاعد التكلفة والتأخير تظل مشكلة مستعصية في معظم أسواق الغاز وما فتئت تشكل مصدر خطر لأمن الإمداد طويل الأجل".
ومثل النفط، فإن أسعار الغاز في تراجع مستمر في ظل الانخفاض المستمر لتوقعات الطلب. لكن كما هو الحال مع النفط أيضاً، فإن توقعات النمو المستدام للطلب، المصحوب بزيادة محدودة في الطلب، فور انتهاء فترة التراجع، تنذر بتوازن دقيق في ميزان العرض ـ الطلب، وبالتالى أسعار أعلى في المستقبل.
