في ظل المجهود الشاق المبذول من قبل صناعة النفط كي تستوعب تداعيات الاضطرابات العظيمة التي تهز أسواق السلع والأسواق المالية في الوقت الراهن، تشهد صناعة الرمال النفطية في كندا بعض القرارات المهمة للغاية تتعلق بالخطط المستقبلية. وهناك سيل خفيف من التصريحات بات يصدر من الشركات معلنة أنها بصدد تأجيل مشروعات الرمال النفطية.
قالت "رويال داتش شل"، أكبر شركة نفط أوروبية، لدى إعلانها نتائجها المالية للربع الثالث، إنها ستؤجل قرارها النهائي للاستثمار في المرحلة الثانية من مشروعها الخاص بتوسيع حقل "أثابسكا" للرمال النفطية ـ الذي تحدد سابقا البدء في تنفيذه العام المقبل.
وتوضح هذه القرارات إلى أي مدى باتت التوقعات والآمال المعقودة على النظرة المستقبلية متوسطة المدى على النفط الثقيل تنعكس بحدة. والواقع أن قاعدة الموارد المتاحة المحتملة ما زالت واسعة للغاية، لكن تكلفة استخلاصها هي العامل الأكثر إثارة للتساؤلات.
وقال فيرون فان ديرميز، الرئيس التنفيذي لشركة شل، إن الشركة لم تخطط لأي شيء مثل سعر برميل النفط الذي لامس 150 دولارا في تموز (يوليو)، وبالتالي تراجع السعر إلى نحو 70 دولارا في نهاية تشرين الأول (أكتوبر) لم يكن له أي أثر ملموس في خططها.
ومشروعات الرمال النفطية التي صدرت القرارات النهائية للاستثمار فيها ستبدأ إنتاجها خلال العقد المقبل، ما يجعل السعر هذا العام خارج الموضوع تماما.
ومع ذلك، فإن تراجع السعر الفوري للنفط يسهم كذلك في تخفيض التوقعات بالنسبة للأسعار الآجلة، بينما يضع الركود الاقتصادي علامة استفهام على النظرة المستقبلية للطلب في الولايات المتحدة، السوق الرئيسة لمنتجات الرمال النفطية.
وارتفعت التكاليف في رقعة النفط في البرتا بشكل مفاجئ إلى مستويات فلكية، نتيجة لنقص الأيدي العاملة والأجهزة والمعدات، كما باتت الأزمة المالية تدفع التكلفة إلى أعلى وتؤثر سلبا في التمويل المتاح. هذه العوامل متضافرة مع توقعات سعر أكثر تواضعا تجعل عائدات الاستثمار على مشروعات الرمال النفطية الجديدة تبدو أكثر هامشية.
وإنتاج الرمال النفطية أقرب إلى التعدين منه إلى إنتاج النفط التقليدي. فإضافة إلى النموذج، يتم حفر الرمال بواسطة آليات ومعدات إزالة التربة وتحميلها على شاحنات ضخمة، ومن ثم نقلها إلى المصنع الذي يتم فيه فصل النفط عن الرمال عن طريق خلطها بماء ساخن.
وهناك مشروعات أكثر حداثة وتطورا عادة ما تتطلب الإنتاج في الموقع باستخدام وسائل مثل نظام تصريف الجاذبية المدعوم بالبخار: ضخ بخار الماء إلى داخل الأرض لتسخين النفط حتى ينساب إلى أسفل، إلى داخل الآبار، ومن ثم يتم ضخه إلى سطح الأرض. ويعني ذلك أن ميزانية المصروفات التشغيلية، الأجور، تكاليف المحروقات، الغاز المطلوب لتسخين الماء، أو البخار بالنسبة إلى التكاليف الرأسمالية أعلى في حالة الرمال النفطية منه في إنتاج النفط التقليدي.
ومع ذلك، فإن تكاليف أي مشروع رمال نفطية جديد ـ يتطلب تجهيز معدات الاستخلاص وغالبا جهاز رفع الجودة لتحويل البيتومين "القار" المنتج إلى شكل من أشكال النفط الخام يمكن نقله إلى السوق بواسطة خط الأنبوب وبيعه ـ ستكون أعلى بشكل ملموس من تكاليف أي مشروع قائم.
ونشرت شركة توتال الفرنسية أخيرا أرقاما توضح أن مشروعها الخاص بالرمال النفطية في كندا يتطلب سعر نفط أدنى قليلا من 90 دولارا للبرميل، لتحقيق ربح نسبته 12.5 في المائة من هذه الاستثمارات. أما بالنسبة إلى المشروعات القائمة، فإن الرقم أدنى.
وفي الربع الثالث أعلنت "شل" في الواقع معدل أرباح مماثل لكل برميل من الإنتاج ـ نحو 38 دولارا ـ في مشروعها الخاص بالرمال النفطية، كما في أعمال النفط التقليدية.
إن إنتاج النفط الثقيل الذي يجري العمل فيه حاليا وتنفيذ المشروعات قيد الإنشاء سيمضي قدما. لكن المشروعات الجديدة لإضافة إمدادات جديدة، تبدو أقل جاذبية، وتأجيل تنفيذ استثمارات بعدة مليارات الدولارات يمكن أن يكون خيارا أكثر أمانا من مواصلة الالتزام بإنفاذها.
في ظل الارتفاع المفاجئ والهائل في سعر النفط طوال العام الماضي، كانت هناك فورة من الاهتمام والرغبة في استغلال الفرص المتاحة في مجال إنتاج النفط الثقيل في أنحاء العالم تتجاوز المراكز المجربة في كندا وفنزويلا.
وفي أيلول (سبتمبر) اشترت "شل" حصة تبلغ 60 في المائة من حقل إنتاج نفط ثقيل في مدغشقر، وأبرمت "إيني" ENI الإيطالية هذا العام صفقة لشراء مشروع إنتاج نفط ثقيل في الكونغو.
وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تسهم الموارد "غير التقليدية"، مثل الرمال النفطية والنفط الثقيل، بشكل ملحوظ ومتزايد في إمدادات الوقود العالمية، إلا أن الأزمة المالية وتراجع سعر النفط يثيران الشكوك حول مستقبل ذلك الإسهام على مدى الأعوام القليلة المقبلة، على الأقل.
ومع ذلك، هناك نوع من الموازن الأوتوماتيكي في السوق. فإذا تراجعت أسعار النفط إلى مستويات متدنية للغاية، فإن طاقة الإمداد لن تتحقق، ما يؤدي إلى شح السوق ودعم السعر.
ومن المحتم حدوث دورات في الصناعة، لكن طالما أن هناك طلبا ـ وطالما أن التصنيع في الصين واقتصادات ناشئة أخرى يعني وجوده ـ ستكون هناك حاجة إلى النفط، ما يعزز مستقبل النفط الثقيل في كندا والمناطق الأخرى.
إن تطوير هذه الموارد ربما يستغرق وقتا أطول مما كان متوقعا.
