كانوا مهندسي صعود لندن إلى مراتب الأهمية العالمية، حيث جعل منهم السياسيون أبطالاً، وكرمتهم وسائل الإعلام، وتبعهم المتسلقون الاجتماعيون، وخطب ودهم وكلاء العقارات ومتعهدو العلامات التجارية الفاخرة.
بدا لعدة سنوات أن العمل المصرفي هو أفضل وظيفة في لندن، حيث لا يجلب الثروة فقط، ولكن المكانة الاجتماعية التي ترتفع بصورة مستمرة.
غير أن المضامين بالنسبة إلى دافع الضريبة من أجل تخصيص الحكومة لمبلغ 400 مليار جنيه استرليني لإنقاذ البنوك تسربت من خلال الوعي الشعبي، وبدا أن رأس المال يقطع علاقة حبه مع سادة الكون.
حتى جوردون براون، الذي ظل يتودد لسكوير مايل منذ فترة طويلة، هاجم جشع الحي المالي لمدينة لندن "الذي تجاوز الحدود، وكان يتصرف دون مسؤولية " في أعقاب صفقته الإنقاذية التاريخية.
كان هنالك القليل من الشك في شوارع التسوق المموهة من الحي الغربي التي كانت تتلقى معظم ثروة الحي المالي لمدينة لندن خلال السنوات الأخيرة، بين حتى طبقة المتسوقين الذين تبدو عليهم الثروة، بأن رجال المصارف هم بعبع الأزمة الاقتصادية.
قال لويس بولوك: "إنه ليس لدي أي تعاطف معهم، حيث أداروا الأمور كما يريدون لفترة طويلة للغاية. وهنالك شعور بأن كثيرين منهم كانوا يحصلون على الكثير من الأموال من النظام القائم عبر العلاوات".
تبين من خلال دراسة ميدانية أجرتها "فاينانشيال تايمز"، أن الغضب كان يطفو على السطح بصورة متكررة إزاء العلاوات التبذيرية التي يتلقاها كبار المديرين في المؤسسات التي يتم إنقاذها في الوقت الراهن بالأموال السائلة المأخوذة من دافعي الضرائب.
قال جيمس واردل: "إنه توجههم على طريقة رعاة البقر، فلماذا أدفع أنا ثمن ذلك؟"
كان هنالك ارتياح واسع الانتشار بأن الحكومة تصرفت لدعم الثقة، وما يرافق ذلك من عدم محبة لمتلقي أموال الإنقاذ. وقالت بائعة الجملة، تينا برايفيلند: "أعرف أشخاصاً حصلوا على علاوات بقيمة 500,000 جنيه استرليني في أعياد الميلاد." وقال جاري وليامز الذي يعمل في شركة برمجيات، إن التعاطف مع هؤلاء شحيح حتى في شوارع الحي المالي لمدينة لندن، ووجه اللوم إلى: "ثقافة علاوات كاسحة في صناعة لا تخضع للتشريعات". وأضاف: "أنهم لا يعملون للمصلحة العامة، وإنهم يعملون فقط لتحقيق غاياتهم الخاصة. وإن الإنقاذ يمثل وضعاً فرض نفسه، وكنت أفضل إنفاق الأموال على الرعاية الصحية، وأرى أن تعاني البنوك مواجعها، كما تمتعت بالمكاسب، ولكن ذلك لا يحدث لسوء الحظ، وإننا مرعوبون ممّا يمكن أن يحدث".
حذّر وليام ريكاردز الذي يعمل في إدارة الموجودات من أن البنوك يمكن أن تستخدم الأموال العامة لجني مزيد من الأرباح، وقال في هذا الصدد: "الواقع هو أن هذه هي أموالنا التي تُضَخُ في النظام، حيث إنها سوف تعود في النهاية ليتم إقراضها بأي معدل فائدة يحقق للبنوك الأرباح مرة أخرى. وهذا أمر بعيد عن العدالة".
أما ديفيد ألين الذي يعمل في مبيعات وسائل الإعلام، فقال: "ربما يقول المصرفيون إننا سوف نعيد بعض الأموال التي أخذناها، ولكنني لا أرى إمكانية حدوث ذلك".
غير أنه منح تبريراً وغفراناً قليلين لتعهدات الوزراء بالهجوم على رواتب التنفيذيين، والعلاوات المتجاوزة للحدود، وقال معلقاً: "إنه مجرد تحرك سياسي في محاولة لإيقاف تذمر الناس بخصوص الأموال التي سلّموها ".
أصر أرجون ديـفين، صاحب شركة التوظيف في القطاع المالي، على أنه كان خطأ من جانب الحكومة بأن تتدخل في الرواتب التي يدفعها القطاع الخاص، وأضاف: "ليس من شأن الحكومة أخذ العلاوات من رجال المصارف الذي يعملون بين 60 و70 ساعة أسبوعياً".
إذا عدنا إلى نيوبوند ستريت، فإن الإشارة الوحيدة إلى ضربة الأزمة الائتمانية بين المتسوقين الخارجين من متاجر التصميم وهم محملون بالحقائب، ويركبون سيارات أستون مارتن المطلية حسب أذواقهم، وكذلك سيارات البنتلي، تتمثل في عبارة على مبنى إيـفننج ستاندرد جاء فيها: "أباطرة المال يخسرون المليارات في هذه الأزمة".
غير أنه كان هنالك بعض التعاطف مع العاملين في المؤسسات المالية من ذوي الثراء الأقل الذين يحتمل أن يضربهم التراجع الاقتصادي. وقالت المتسوقة فرانسيس هاموند: "أتعاطف مع الكثيرين من العاملين في هذا المجال، وهم أولئك الأفراد الذين سوف يفقدون وظائفهم في حين أنهم كان يعتقدون أن لديهم مستقبلاً آمناً.
بينما كانت تشير إلى المتاجر الفارهة حولها، حين أشارت إلى إدراكها للآثار المحتملة على الاقتصاد، قالت: "سوف يكون من المشوق أن نرى إذا كانت كل هذه المتاجر سوف تكون هنا خلال عام من الزمن".
وجه آخرون اللوم إلى الفشل التشريعي، والحوافز غير الملائمة، بأكثر مما وجهوه إلى المسؤولية الشخصية لرجال المصارف. وقالت أولجا مولوكينا، المهاجرة الروسية العاملة في لندن: "كان من الممكن أن يكونوا أكثر مسؤولية، ولكنهم كانوا يعملون ضمن حدود النظام". قال نيك بريتون، المسؤول التنفيذي في علاقات الزبائن: "هنالك الكثير من المبالغة في الحديث عن رجال المصارف الشرهين الذين أوصلونا إلى هذه المشاكل، ولكنني أعتقد أنهم قدموا إلينا الخدمة التي كنا نطلبها. وكان الأمر كبيع مطاعم ماكدونالدز طعاماً غير صحي، ولكن الناس كانوا يختارون شراءه. وكانت البنوك البريطانية تشبع رغبات المستهلكين البريطانيين".
كان البعض يشعرون في حي ماي فير، وهو موطن مجتمع صناديق التحوط، بأنهم كانوا في الجانب المتلقي للانتقاد غير المبرر. وقال ماجنوس نلسين، مدير احد صناديق التحوط: "أصيبت البنوك بالأذى الكبير، وتلقت صناديق التحوط اللوم".
لم يكن قلقاً إزاء مستقبل رجال المصارف، حيث قال: "إن أذكى الأشخاص في النشاط المصرفي الاستثماري سوف يتوجهون إلى المزيد من النشاطات التي تتسم بالإقدام والريادة."
كان كذلك مقتنعاً بشدة بأن أيام العلاوات الكبرى سوف تعود، حيث قال: "لم ينته الأمر بعد، بل انتهى لفترة فقط، حيث إن لندن تعج بالأذكياء من الناس الذين يستطيعون تحقيق الأرباح، ولن يبتعد أولئك بعيداً".
أما زميله، جيروم دارمون، فأعرب عن اعتقاده أن من العبث توزيع اللوم، وقال: "كان على الحكومة أن تتدخل، سواء كانت تحب ذلك أم لا، وتم التوجيه اللوم إلى من يستحقونه لا إلى من لا يستحقونه، حيث لم يعد ذلك مهماً ".
كان بعض رجال المصارف في الحي المالي لمدينة لندن يشعرون بأنهم تعرضوا إلى ظلم شديد. وقال جافين سوتون الذي يعمل في بنك تيركي إيزبانك: " الصناعة المصرفية لا تتمتع بشعبية كبيرة، ولكن ذلك ليس خطئي، وأعتقد أننا جميعاً يتم مسحنا وتغطيتنا بالفرشاة ذاتها، سواء كنا مشاركين في الأمر مباشرة أم لا".
لكن على الرغم من كل الإدانة الحماسية من جانب رئيس الوزراء لرجال المصارف بسبب إقدامهم على المخاطر المتجاوزة للحدود، فإن بعض الناخبين كانوا على قناعة بأن الحكومة هي التي كان يجب عليها أن تتلقى معظم اللوم.
قالت جوان كنج، المسؤولة التنفيذية في مجال المبيعات: "كان على الحكومة أن تراقب بحرص أشد، وربما كانت تبالغ في اعتمادها على البنوك، حيث إنها اكتفت بأن تغمض عينيها ".
