الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 18 يونيو 2026 | 2 مُحَرَّم 1448
Logo

خيار أوباما يكمن في الطريق إلى القدس

فيليب ستيفنز
فيليب ستيفنز
الثلاثاء 18 نوفمبر 2008 2:34
خيار أوباما يكمن في الطريق إلى القدس
خيار أوباما يكمن في الطريق إلى القدس

التحدي بالنسبة لرئيس أمريكي يكمن في الفصل بين الأمر الملّح والأمر المهم. ذات مرة سمعت مسؤولا في مجلس الأمن القومي التابع لجورج دبليو بوش، يصف المأزق. قال إن ضغط الأحداث يجعل الأمر طويل الأجل بالنسبة للبيت الأبيض يعني "في وقت لاحق من بعد ظهر هذا اليوم". وينتهي الأمر بمعظم الرؤساء أن يصبحوا أسرى للفوري.

وعندما لا يتلقى مكالمات هاتفية من الزعماء الأجانب، يمكن لنا أن نفترض أن الرئيس المنتخب باراك أوباما غارق فعلا في المهم والعاجل. فالإيجازات الاستخبارية الكثيرة ستحذره من هذا التهديد الناشئ هنا، ومن ذلك الخطر المتزايد هناك. وسيتدافع مستشاروه للسياسة الخارجية لترسيخ تركيزه على كل جزء من العالم.

وهو يتلقى أيضا كثيرا من النصائح من حلفاء أمريكا. ففي هذا الأسبوع أصدر رئيس الوزراء البريطاني، جوردون براون، مجموعته الخاصة من الأولويات لأوباما، مستحضراً الترنيمة المملّة للعلاقة الخاصة. ومن بينها: اتفاقية تجارة عالمية، وهندسة جديدة للموارد المالية العالمية، واتفاقية حول التغير المناخي، وأجندة لتقليص الأسلحة النووية، وتوجه جديد إزاء أفغانستان، واستقرار سياسي في العراق، واتفاقية سلام شرق أوسطي.

وينبغي أن تضاف مواجهة طموحات إيران النووية إلى القائمة، مثلما ينبغي إضافة أهم علاقة ثنائية لأمريكا ـ مع الصين. وهناك كوريا الشمالية. ويتعين الانتباه لروسيا. ويريد الأوروبيون أن يكونوا محبوبين. والهند تم استفزازها لأنها لم تكن بين أول من يتلقون اتصالا بعد انتصار أوباما. ويمكن لك أن تقول إن كل الأمور التي سبق ذكرها مهمة وكثير منها ملّح. وهناك أيضا القضية الصغيرة المتمثلة في أجندة محلية حافلة، بما فيها إخراج الاقتصاد الأمريكي من الركود، وإصلاح البنية التحتية المتداعية للبلاد، وإصلاح الرعاية الصحية. ولدى أوباما خيارات يأخذ بها على الصعيد الداخلي مثلما هو على الصعيد الخارجي.

والمنطقة التي لا يمكن له أن يتجاهلها هي الشرق الأوسط. فهي المكان الذي تلتقي فيها تحديات أمريكا الاستراتيجية الخطيرة والأكثر صعوبة. وحتى إذا كانت الواقعية تطمس دقة وعده في الحملة الانتخابية، فإن أوباما ملتزم بتخفيض عاجل للقوات الأمريكية في العراق، مثلما هو ملتزم بتعزيز المعركة ضد طالبان في أفغانستان واجتثاث القاعدة من المناطق القبلية في باكستان. وتوفر إيران سببا لاختبار دبلوماسية الرئيس الجديد الاستراتيجية وعلاقات أمريكا بحلفائها، وأيضا أفغانستان.

#2#

بالطبع كل هذه المشكلات مترابطة. فالتقدم في أفغانستان يتوقف على تعاون جيرانها - إيران إضافة إلى باكستان. وربما يكون قد فات الأوان على منع طهران من امتلاك القدرة على بناء قنبلة نووية، لكن بذل محاولة جادة لإقناعها بعدم البدء في سباق أسلحة نووية يتطلب اعترافا بمصالحها الأمنية. ومن ناحية أخرى، استقرار الحكومة التي يقودها الشيعة ويدعمها الإيرانيون في العراق يعتمد على مستويات الارتياح لدى جيرانها العرب السنة.

إن أكبر وأهم مسألة في هذا الوضع المعقد متعدد الأبعاد هي الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني. فهو القضية التي تشكل المواقف في المنطقة تجاه الولايات المتحدة أكثر من أي قضية أخرى. وفيما يتعلق بأي شيء آخر تقريبا، ربما يكون أفضل ما يأمل فيه الرئيس الجديد هو إخماد الحرائق. ويمكن لاتفاقية بين إسرائيل والفلسطينيين أن تغير اللعبة.

لكن أوباما أطلق أقل الوعود في هذا المجال. صحيح أنه أطلق أصواتا بأنه سيستخدم سلطته لصالح حل الدولتين. وهناك حديث عن تعيين مبعوث أمريكي خاص ليأخذ مقعدا دائما على طاولة المفاوضات. ومع هذا أعطى أوباما مؤشرا ضعيفا بأنه مستعد لاستثمار الطاقة ورأس المال السياسي للتوسط في تحقيق اتفاقية.

وتستطيع أن تعرف السبب. فعملية أنابوليس، وهي المحاولة المتأخرة التي قامت بها إدارة بوش لتأمين اتفاقية، لم تصل إلى أي مكان. وهذا الأسبوع تخلت الإدارة المنصرفة عن الآمال في تحقيق تقدم قبل أن يغادر بوش البيت الأبيض. وتوني بلير، مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى المنطقة، أظهر كل تفاؤله المعلوم، بالإصرار على أن هناك "برنامجا" لتسوية نهائية. وقد سمعنا ذلك البرنامج من قبل.

وتوحي الاستطلاعات بأن من غير المحتمل أن تسفر الانتخابات الإسرائيلية عن ائتلاف يملك الصلاحية لإبرام صفقة أرض مقابل سلام مع الفلسطينيين. وربما يبرز بنيامين نتنياهو، زعيم الليكود الصقوري، رئيسا للوزراء. وخلال آخر فترة له في المنصب، سعى نتنياهو إلى حرف اتفاقيات أوسلو عن مسارها. وسمعت أن الاجتماع الذي مضى على نحو سيئ خلال جولة أوباما في الشرق الأوسط وأوروبا كان لقاءه مع نتنياهو.

والفلسطينيون، من جانبهم، يظلون منقسمين على أنفسهم، رغم أفضل الجهود التي تبذلها الوساطة المصرية. فحماس ترفض حتى الآن، الاعتراف بإسرائيل الذي يطالب به المجتمع الدولي. وفي غياب محاور ملتزم من الجانب الإسرائيلي من الصعب أن نرى ما الذي يمكن أن يدفع فتح وحماس إلى تسوية خلافاتهما.

إذن، لماذا ينبغي لأوباما أن يخاطر بسمعته في مثل هذه القضية؟ الجواب يجيء في عدة جوانب.

ستكون السنوات الأولى من رئاسته أفضل سنواته، وربما تكون الفرصة الأخيرة للتوسط في حل الدولتين. فالحقائق على الأرض – الوضع السكاني والجدار العازل في الضفة الغربية والمستوطنات الإسرائيلية عبر رقع من أراضي الضفة الغربية - تنسف بشكل ثابت الصفقة التي يمكن أن تعطي الأمن لإسرائيل ودولة للفلسطينيين.

ورغم كل العقبات المخيفة أمام التوصل إلى اتفاقية، فإن إرث أوباما وطبيعة انتصاره منحاه من الوزن بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وفي العالم العربي الأوسع، ما يفوق أي وزن يمكن لأي رئيس أمريكي أن يتوقعه. ورأس المال السياسي الثمين هذا سيتلاشى مع مرور الوقت .

إن محاولة جادة وغير منحازة لتشجيع السلام بين إسرائيل والفلسطينيين ستنزع أسلحة تهمة أكثر خطورة ضد السياسة الأمريكية هي أن كل ما تفعله متأصل في المعايير المزدوجة.

وعقد اتفاقية لن يسوي كل المشكلات والصراعات، ولن تؤدي بحد ذاتها إلى إصلاح العلاقة بين الغرب وكثير من العالم الإسلامي. فالقاعدة وفروعها ستجد كثيراً من الأسباب الأخرى لمهاجمة أمريكا، لكن إيجاد دولة فلسطينية سيؤدي إلى تغير كبير لديناميات الشرق الأوسط، وسيجعل من الممكن تحقيق ما يبدو الآن بعيد المنال.

وسيكون التوسط للتوصل إلى مثل هذه الاتفاقية شيئا صعبا ولا يحظى بالثناء. وربما يفشل أوباما في هذه المحاولة، لكن هنا يكمن الخيار الوجودي لخليفة بوش، فهل يريد لملمة الأمور؟ أم يريد أن يعيد رسم الخريطة الاستراتيجية للشرق الأوسط، وبالتالي يضع توجها جديدا لدور أمريكا في العالم؟ وهذا، في التحليل النهائي، ما يحدد كفاءة الرئاسة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية