الأحد, 9 أغسطس 2026|24 صَفَر 1448
الاقتصادية

إن كان تحليل وزير المالية الألمانية، بير شتاينبروك ، صحيحاً فإن الأزمة المالية هي نذير بنهاية هيمنة وول ستريت وظهور عالم متعدد الأقطاب. فهل هناك أي قدر من الصحة في هذا الكلام؟

يلفت الدارسون الأنظار دائماً إلى تحولات وتقلبات القوة أيام الأزمات. انهيار البورصة عام 1929 كان يفسَّر دائماً على أنه انتقال القوة الاقتصادية من بريطانيا العظمى إلى الولايات المتحدة. ومع ذلك يجدر بنا أن نرتاب في التفسيرات التي تحاول اختصار الواقع المعقد إلى مجرد واقعة قوية بسيطة.

قبل أقل من خمس سنوات كان من شبه المستحيل الحديث عن الولايات المتحدة دون استخدام مفهوم القوة العظمى. لكننا الآن نواجه الخطر المعاكس، هو الإقلال من القوة الأمريكية بسرعة تفوق الحد بالنظر إلى النكسات التي أصيبت بها في وول ستريت وأفغانستان.

يمكن أن تكشف إحدى الأزمات عن التعديلات التي طرأت على علاقات القوى، لكنها نادراً ما تفسر هذه التعديلات. الانحدار النسبي لنفوذ وول ستريت بدأ قبل عشر سنوات، كما يمكننا أن نرى من ظهور البورصات في الأسواق الناشئة. من وجهة النظر هذه الأمور المهمة فعلاً في هذه الأزمة ليست انحدار وول ستريت، وإنما تراجع الأنموذج القائم على الابتكار المالي وتحرير الأسواق، الذي أدى بهيئة الأوراق المالية والبورصات ـ بموافقة وزارة الخزانة والاحتياطي الفيدرالي ـ إلى تقليص نشاطاتها الرقابية والتنظيمية على النظام المالي الأمريكي.

بالتالي، أوروبا تتمتع بالفرصة، تحت قيادة ألمانيا وفرنسا، لتتولى الصدارة في نشر أنموذج يعمل، بدلاً من تقييد الابتكار المالي، على مساندته من خلال تعزيز الأنظمة الرقابية على نحو ينسجم مع التقليد الأوروبي.

تعدد القطبية الاقتصادية لا يضمن تعدد القطبية الاستراتيجية. لو كان هناك ارتباط وتناظر بين هذين الجانبين الديناميكيين لأصبح العالم متعدد الأقطاب من قبل، لكن لا يوجد ارتباط بينهما. وعلى عكس ما يمكن أن نعتقد، فإنهما ليسا على وشك الاقتران. ولأن أمريكا تمتلك 25 في المائة من ثروة العالم، فهي لا تزال الضامن الاستراتيجي لمعظم القوة الاقتصادية في العالم. الولايات المتحدة تضمن أمن كل من أوروبا واليابان.

سيظل الدفاع الأوروبي أداة للقوة الناعمة، يبرز دوره في حفظ السلام أكثر من الإكراه بالقوة. وسيعمل الضغط من روسيا على تعميق اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة، بدلاً من أن يزيد استقلالها الذاتي في الجانب الاستراتيجي. والأمر نفسه ينطبق على اليابان. فالضغط من الصين والخطر من كوريا الشمالية يجعل اليابان تعتمد على الضمانة الأمنية الأمريكية أكثر من أي وقت مضى.

لكن هذا لا يعني أن الأوروبيين أو اليابانيين دائماً يتلقون الأوامر من واشنطن. مثلا، رئيس الوزراء الإيطالي سيلفيو بيرلسكوني، الذي يوصف أحياناً بأنه صنيعة أمريكا، واحد من أكثر الزعماء الأوروبيين تحفظاً على سياسة الاحتواء تجاه روسيا.

أخيراً يجب ألا ننسى ما المقصود فعلاً بالعالم متعدد الأقطاب. المعنى المشهور تماماً لذلك هو اقتسام القوة بين عدد من اللاعبين، لكن ليس بالضرورة أن يكون اقتسام القوة بالتساوي بين من يمتلكونها. لا شك أن الولايات المتحدة بحاجة الآن أكثر من أي وقت مضى إلى بناء تحالفات فاعلة لتحقيق نتائج ذات بال. لكن في عالم متعدد الأقطاب سيكون هناك تنافس بين الأقطاب. الصين غير مطمئنة لليابان والهند، وروسيا تشعر بالقلق من صعود الصين، والهند تنظر إلى صعودها بدلالة العلاقة الوثيقة مع الولايات المتحدة حتى تتصدى لبكين.

الواقع أنه باستثناء روسيا ليست هناك أية قوة من الاقتصادات الناشئة لديها أية خطة حقيقية للوقوف في وجه الولايات المتحدة. روسيا قوة سابقة تسعى إلى استعادة مكانتها. وروسيا بحاجة إلى تأكيد نفسها بالنسبة للغرب في سبيل تحقيق هويتها، في حين لا الصين ولا الهند بحاجة إلى هذه المواجهة لتأكيد نفسيهما في العالم، على الأقل ليس في الوقت الحاضر. فضلاً عن ذلك، إذا تعرض الاقتصاد الأمريكي للمزيد من التدهور، فإن الاقتصادات الناشئة ستكون أول من يعاني.

وحتى لو لم تسْعَ الصين لعزل الولايات المتحدة عن القمة، فإن صعودها سيعوق الولايات المتحدة. بالمثل، الأزمة الجورجية ستترك ندوباً في علاقات روسيا مع كل من أوروبا وأمريكا. لكن هذه الندوب لن تبقى للأبد. والحقيقة التي تقول إن الصين مستاءة تماماً من سياسة روسيا نحو جورجيا تدل على أن نظرية "الغرب ضد بقية العالم" غير صحيحة. تعددية الأقطاب تحدث الآن بالفعل، لكن آثارها أبعد ما تكون عن كونها أمراً مقضياً، بما في ذلك بالنسبة للولايات المتحدة.

ـــــــــــ

الكاتب أستاذ في معهد باريس للدراسات السياسية. صدر له حديثاً كتاب بعنوان "أعراف فوق القوة: لغز القوة الأوروبية" Norms over Force: The Enigma of European Power (Palgrave)

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية