الثلاثاء, 11 أغسطس 2026|26 صَفَر 1448
الاقتصادية

هناك سباق ثان ٍ إلى البيت الأبيض. الزعماء الأوروبيون يتهافتون في السعي إلى أن يكونوا أول من يقدم فروض الاحترام للرئيس الأمريكي المنتخب. والخنوع غير الخجول أكثر من مثير للشفقة. فهو يعني فشلاً في الفهم. فباراك أوباما فاز بالرئاسة بإطلاق وعد بمستقبل مختلف، ويبدو أن أوروبا تعيش منقطعة في الماضي.

من الصعب أن نبالغ في مزيج الإثارة والقلق الذي ولده انتصار أوباما في أوروبا: الإثارة بسبب الفرصة لإصلاح الشروخ عبر الأطلسي التي شهدتها السنوات الأخيرة، والقلق لأنه لا أحد يعرف من هو هذا النجم البارز للسياسات العالمية، وبأي ثمن قد يختار حليفاً مفضلاً.

ومن بين حلفاء أمريكا التقليديين، الإيطالي سيلفيو بيرلوسكوني وحدة الذي يقف بعيدا من الحشد. فخلال زيارته لأفضل صديقين له – فلاديمير بوتين وديمتري ميدفيديف من روسيا – اختار رئيس وزراء إيطاليا الإطراء "سُمرة" أوباما التي "لوحتها الشمس". وفي السنة المقبلة سيرأس بيرلوسكوني اجتماعات مجموعة الثماني – وهو سبب آخر لعدم قيام أوباما بأي دور في التجمع الهاجع.

ويتحدث البريطاني جوردون براون بدوره كما لو كان هو وأوباما أكبر الأصدقاء القدامى. ولا باس في أن رئيس الوزراء، طوال معظم السباق التمهيدي للحزب الديمقراطي، كان يراهن على انتصار هيلاري كلينتون.

كان ذلك في السابق. الآن مساعدو براون يتحدثون بحماس عن تعليم الرئيس الجديد عن تعقيدات النظام المالي العالمي. ولست متأكداً من أن رعاية الرئيس المنتخب كمبتدئ، تشكل أفضل طريقة للحفاظ على ما تسمى بالعلاقة الخاصة. فهي تعيد إلى الأذهان غلطة هارولد مكميلان، وهو رئيس وزراء أسبق، حين تحدث باستخفاف عن قيام بريطانيا بدور اليونان القديمة مع روما أمريكا. وجاء تشبيه مكميلان في الوقت نفسه تقريباً، الذي كان فيه أجداد أوباما من جانب والده يكافحون من أجل استقلال كينيا عن سيدهم البريطاني الاستعماري.

وكان نيكولا ساركوزي، رئيس فرنسا، متلهفاً بالقدر نفسه تقريباً لالتقاط بعض سحر أوباما. قضى براون عشر دقائق على الهاتف مع الرئيس المنتخب، لكن قصر الإليزيه أعلن بزهو أن ساركوزي كان على الخط مع شيكاغو طوال نصف ساعة كاملة. قارنوا ذلك.

ومن ناحية أخرى، طلبت أنجيلا ميركل من أوباما أن يعود إلى برلين لتكرار ظهوره الظافر خلال الحملة الرئاسية. وفي هذه المرة يمكن لنا أن نكون واثقين أن ميركل ستتيح لضيفها أن يتحدث عند بوابة براندنبيرج.

وللإنصاف، فإن واحداً أو اثنين من هؤلاء الزعماء تقدما بطلبات إلى أوباما. براون حذر من سياسة تجارية أمريكية أكثر حمائية، وساركوزي يريد من الولايات المتحدة أن تتحمل مسؤولياتها إزاء النظام المالي العالمي. لكن وراء الجو العام للتزلف، تصوراً خاطئاً جداً، وهو الاعتقاد بأن سنوات بوش كانت فترة فاصلة سيئة الطالع، وأن بالإمكان إعادة تشكيل حلف الأطلسي القديم مثلما كان من قبل.

وفي الحقيقة تلك الإمكانية انتهت مع انهيار الاتحاد السوفياتي. وكانت واحدة من المشكلات الكبيرة في العقدين الماضيين تتمثل في فشل (كلا الجانبين) في إدراك أن الشراكة التي فرضتها الضرورة أصبحت شراكة بالاختيار.

وأوروبا لم تعد في قلب اهتمامات السياسة الخارجية لأمريكا، ولم تعد لأوروبا حاجة ملحة إلى المظلة الأمنية الأمريكية. وهناك كثير من الأسباب الوجيهة الأخرى لتشجيع حلف قوي لكن، باستعارة فكرة من أوباما، لا يمكن للعلاقة أن تنجح إلا إذا كان كلا الطرفين يدرك الحاجة إلى التغيير.

وفيما يتعلق ببراون، اللحظة الحالية مناسبة للتخلي عن وهم العلاقة الخاصة. فبريطانيا تربطها علاقات وثيقة بشكل فريد مع الولايات المتحدة، ولا يوجد أي داع لوجوب استمرارها. لكن بريطانيا ستكون موضع اهتمام شديد من جانب أوباما فقط عندما تمثل إجماعاً أوروبياً أوسع.

وإضفاء الصفة الأطلسية غير المألوفة على فرنسا ساركوزي، إلى جانب الموالاة التقليدية لأمريكا من جانب ميركل، يجعلان مثل هذا الإجماع ممكناً. لكن المطلوب من زعماء أوروبا أن يتعاونوا لا أن يتنافسوا في علاقتهم مع أوباما.

وإذا كان براون وساركوزي يريدان فعلاً أن يحدثا أثراً في واشنطن، فإن أنفع شيء يستطيعان القيام به هو الإلحاح على قمة الاتحاد الأوروبي المقبلة من أجل اتفاقية جوهرية لتعزيز قدرات أوروبا الدفاعية.

عندها، وبعد تنصيب أوباما، يمكن لهم أن يسافروا معاً إلى واشنطن. ويمكن لميركل أن تنضم إليهم. ويمكن لهم أيضاً أن يدعوا خوزيه مانويل باروسو، رئيس المفوضية الأوروبية. حينها ربما يستنتج الرئيس الأمريكي الجديد أن لدى أوروبا شيئاً تقوله، بل حتى شيئاً تساهم به.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية