انطلاقاً من ذوقه المتمثل في مكتبه المكون من خشب الماهوجني الفاخر، ووصولاً إلى تركيزه الدقيق على جمع اللوحات الفنية الخاصة بفترة 1895- 1920، فإن بيتر آفن بعيد عن أن يكون من مؤيدي حكومة القلة التقليديين. وبينما تكتسح الأزمة المالية، روسيا، فإن سلوكه المحسوب هو أنه رجل عاش كل ذلك من قبل.
يقول رئيس بنك ألفا في موسكو، والشريك في ملكيته: "إن زبائننا يعرفوننا، وظلوا معنا عام 1998، واستطاعوا الاستمرار، كما أنهم سوف يستمرون معنا الآن لأنهم يثقون بنا". وتزداد المقارنات مع عام 1998 حين فقد الروبل 75 في المائة من قيمته، وانهارت كل البنوك فيما عدا عدد قليل منها التي كانت لها علاقات جيدة ، خلال المناقشات مع أصحاب المليارات من الروس.
حتى حين تعثرت سوق الأسهم الروسية في شهر آب (أغسطس)، في استجابة ليس فقط لضعف الأسواق العالمية، ولكن كذلك بسبب الحرب في جورجيا، إضافة إلى ما كان يعتقد بأن الكرملين يتدخل في الأسواق من خلال انتقاء الأسهم المفضلة، فإن الاقتصاد المحلي بدا منيعاً وحصيناً. وكان الحديث الذي يسمع من رجال المصارف، ورجال الأعمال في ذلك الشهر، هو "إن الأمر لا يشبه ما حدث عام 1998". كانت روسيا متأكدة من أنها تستطيع المرور سليمة مما كان يعتقد أنه عاصفة مالية قصيرة الأجل، وذلك لكونها تتمتع بثالث أكبر احتياطي في العالم من العملات الأجنبية، وبفائض تجاري يدعمه النفط. غير أن الأوقات الراهنة تشهد بروز صورة للاقتصاد الروسي أسوأ بكثير مما كان يتخوف منه الكثيرون. ويقول آفن الذي كان وزيراً سابقاً للعلاقات الاقتصادية الخارجية، والذي يحتل المرتبة 243 بين أغنياء العالم، حسب تصنيف مجلة فوربس: "تمتعنا بنمو ضخم، وأدى ذلك إلى تكون الفقاعات، حيث إن بعض هذه الفقاعات ينفجر في الوقت الراهن".
المشكلة الرئيسة مقاربة إلى حد كبير لما يحدث في الولايات المتحدة، وأوروبا الغربية، حيث إن معظم الائتمان في الاقتصاد كان مدعوماً بموجودات تراجعت قيمتها بحدة. وكانت تلك الموجودات في غالبها في الغرب هي عبارة عن أوراق مالية مدعومة بالرهن العقاري التي انهارت حين سقطت سوق الإسكان، بينما معظمها في روسيا في صورة ائتمانات تضمنها الأسهم. تغذت الأسواق المتراجعة في الحالتين على نفسها في دائرة مفرغة بينما أرغمت الأسعار المتراجعة أصحاب الموجودات على تحمل خسارة نقدية إضافية إلى تغطية الخسائر التي أدت بدورها إلى البيع الإجباري والمزيد من تراجع أسعار الموجودات . وكانت الأمور تتفاقم في روسيا، على أية حال، من خلال انكشافها أمام موجات المد المتحولة للاستثمارات الأجنبية. وكان الائتمان الرخيص من البنوك الأجنبية مصدراً حيوياً لتمويل الاستثمارات طويلة الأجل. وتقول إلينا شاريبو?ا، كبيرة الاقتصاديين في "رينيسنس كابيتال"، وهو أحد البنوك الاستثمارية في موسكو: "كان كل نظامنا المالي قائما على الأموال الأجنبية، وليس على ادخاراتنا المحلية". وتضيف: "حين انعكس اتجاه التدفق النقدي أصبحنا مكشوفين بصورة واسعة للغاية".
على أن الأمر الأكثر من ذلك هو وضع روسيا كمصدرة رئيسة للنفط والغاز الذي يبدو أنه أقل من أن يمثل حاجز حماية. وفي ظل تراجع أسعار النفط الخام إلى نحو 65 دولاراً للبرميل، فإن الميزانية الروسية لعام 2009 تكاد تكون غير متوازنة. وبعد شهرين من الأزمة، نجد أن احتياطيات العملة الأجنبية لدى روسيا تراجعت من 597 مليار دولار في شهر آب (أغسطس)، إلى 515 مليار دولار بتاريخ 17 تشرين الأول (أكتوبر). ويعود جانب من ذلك التراجع إلى الدفاع عن الروبل. ويجري هروب رأس المال بمعدل أسبوعي يراوح بين 12 و16 مليار دولار. وبلغ معدل الفائدة على الإقراض بين البنوك في روسيا 22 في المائة قبل أسبوعين، قبل أن يعود لكي يستقر عند مستوى 17 في المائة، هو المعدل الأعلى له خلال هذا العقد، الأمر الذي يعكس حجم التوتر في النظام المصرفي. وتشهد البنوك المحلية تبخر ثقة أصحاب الودائع، حيث واجهت أربعة بنوك تجزئة اصطفاف الزبائن على أبوابها لسحب أموالهم، وتم بيعها على عجل.
أضفى البنك المركزي الروسي للمرة الأولى، الشهر الماضي، الصفة الرسمية على الإجراءات التي صممت لمنع هجمات مضاربات على الروبل حين حظر عمليات مقايضة العملة. غير أن المحللين بدأوا بالتساؤل إلى أي مدى يمكن للسلطات أن تصمد كبديل لتراجع الاستثمارات الأجنبية، والأسواق التي تعاني شحة الائتمان. ويقول أحد الاقتصاديين في أحد بنوك موسكو: "إن لدى هذه السلطات احتياطيات مالية تكفي لسنة، أو ربما لـ 18 شهراً".
كما هي الحال في أماكن أخرى، بدأت الأزمة في القطاع المالي تضرب الاقتصاد الحقيقي، حيث بدأت المصانع بالاستغناء عن العمال، بل حتى إن بعض المصانع أغلقت أبوابها، كما أن المشترين لا يستطيعون تسديد فواتير المزودين، إضافة إلى أن كثيراً من مؤيدي حكم القلة يواجهون المشاكل، حيث يمكن أن يتخلوا عن كثير من موجوداتهم للدولة مقابل الحصول على أموال إنقاذ، وذلك في اتجاه عكسي مغاير بصورة ساخرة لعمليات الخصخصة الفوضوية في التسعينيات. ويمكن لذلك أن يهيئ الظروف لإعادة توزيع واسع للملكيات. ويقول رئيس بنك ألفا في هذا الصدد: "سوف تكون هنالك تعديلات كبرى للغاية مشابهة لما حدث عام 1998، غير أن الأسباب مختلفة للغاية، حيث إن أزمة عام 1998 كانت أزمة ديون دولة صافية، وأما الآن، فيتعلق الأمر بصورة رئيسة بمشكلة تخص القطاع الخاص".
عجزت الدولة عن الوفاء بالتزاماتها قبل عشرة سنوات، حيث كانت استدانت من أغنياء حكم القلة مقابل منحهم ضمانات في صورة حصص أسهم في شركات تابعة للدولة. وأدى ذلك إلى حصولهم على بعض أعلى الشركات الروسية قيمة التي قدمت لهم على طبق خاص. ويقول آرفن إنه وفقاً لشروط خطة الإنقاذ التي أعلنت الشهر الماضي: "فإن من المؤكد أن كثيراً من حصص ملكية القطاع الخاص ستذهب للدولة".
تستمر سوق الأسهم في الهبوط على الرغم من الإعلان عن عمليات إنقاذ تتجاوز قيمتها 200 مليار دولار، إضافة إلى إجراءات سيولة إضافية، حيث فقدت أكثر من 75 في المائة من أعلى قمة بلغتها في شهر أيار (مايو). وإن الإنقاذ الذي يعادل 13 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي يعتبر أعلى من أي إنقاذ(من حيث هذه النسبة) أعلن عنه في أي دولة من دول مجموعة الدول الثمانية الصناعية الكبرى. ومع ذلك، فإنه فشل في فك حالة التجمد المسيطرة على أسواق الائتمان.
هنالك إضافة إلى ذلك مصدر آخر لرأس المال جف أثناء هذه العملية، وهو القدرة على طرق أبواب أسواق الأسهم الغربية. وتوقعت الشركات الروسية، هذا العام، الحصول على 50 مليار دولار من عوائد الطروحات العامة الأولية للأسهم. ولم يتحقق من تلك العوائد سوى 2.5 مليار دولار، كما أن توقعات الحصول على المزيد منها تعادل الصفر فعلياً، حسب رأي كريس ويفر، رئيس الاستراتيجية في بنك موسكو الاستثماري، "يورالسب".
يقول الكساندر ليبديـف ، صاحب بنك الادخار الوطني، وأحد مالكي الخطوط الجوية الوطنية الروسية، "أيروفلوت"، إن الحكومة ، والبنك المركزي ، كانا بطيئين في تخصيص الأموال، وفي السماح باندماج البنوك والشركات الأخرى. كان بعض البنوك عاجزاً عن السداد منذ أسابيع، بحيث كان يتوجب دمجها مع بنوك أخرى، كما يضيف. غير أن البنك المركزي لم يسمح لها بذلك. ويضيف ليبديـف قائلاً: "من المؤكد أن السلطات ليست في عجلة من أمرها. ومن العظيم القول إننا سوف نخرج من هذه الأزمة ونحن أقوى، وإنها سوف تدخل الاندماج إلى القطاع المصرفي. غير أن ذلك يتطلب أن تعمل الحكومة يوماً بيوم، وهي لا تفعل ذلك".
يقول ويفر معلقاً: "إن ما يضرب الثقة هو أن سيارات الإسعاف لم تكن في الخط الأول، بينما بدأت الإصابات في الظهور".
#2#
سوف يجعل الإنقاذ الدولة في موقف تختار بموجبه بين الرابحين والخاسرين في هذه الأزمة، كما يوجب عليها الإشراف على إعادة توزيع الممتلكات كما تراه مناسباً. ويقول تقرير بحثي أعده بنك رينيسنس كابيتال: "إن كيفية تخصيص الحكومة، والجهات المختلفة داخلها، والبنوك المسيطر عليها من جانب الدول، للسيولة، يمكن أن ينتج عنه رابحون وخاسرون على نطاق لم تشهده روسيا منذ أزمة عام 1998".
يقول إيجور شوفالوف، النائب الأول لرئيس الوزراء، إن الملاءمة الاقتصادية، وليست الأمور السياسية، هي التي سوف تقرر الأولويات. ويضيف في مقابلة له مع "فاينانشيال تايمز"، إن الاضطراب في أسواق الائتمان بدأ بالفعل في التراجع ، كما أن الحكومة تراقب القطاع المصرفي بدقة. ويضيف شوفالوف قائلاً: "سوف يهدأ هذا الموضوع ببطء، ولن يهدأ على الفور، لأنه أثر بالفعل في نفسيات الناس. وبدأت سوق العمل بين البنوك في العودة إلى عملها المعتاد. ولا تزال معدلات الفائدة عالية ، ولكننها تتراجع. وبدأت البنوك بتقديم الائتمان لقطاعات الاقتصاد مرة أخرى. غير أننا مازلنا بحاجة إلى أسبوعين أو ثلاثة أسابيع لكي يبدأ الوضع في التحسن".
بالنسبة للبنوك، فإنه يقول إن الحكومة تأمل أن تؤدي الأزمة إلى بعض الاندماجات في هذا القطاع.
إضافة إلى البنوك، فإن الحكومة تعير انتباهاً خاصاً إلى قطاعي التجزئة والإنشاءات. ويقول شوفالوف في هذا الصدد: "يجب أن تكون أولويتنا هي ألا يكون هنالك سوء أداء في سلسلة التزويد. وإن التجزئة، على سبيل المثال، هي أولية، لأنها يجب أن تستمر بدقة حركة عقارب الساعة. وهذا قطاع بالغ الحساسية، بحيث إذا اخفق، فإن الزراعة سوف تخفق بعد ذلك، وهكذا على طول الخط. ولن يحصل أحد على معاشه، وهكذا سوف يصبحون عصبيين. ويضيف: "ربما ينجم عن ذلك رد فعل كبير على مستوى السلسلة. وما إن تنكسر إحدى الحلقات، حتى تبدأ المشاكل الكبرى في الظهور. وهكذا هي الحال مع الإنشاءات، حيث إنه إذا تجمدت المشروعات، فإن قطاعي المعادن والأسمنت سوف يتعرضان للأذى".
التجزئة ، والإنشاءات ، هما بالفعل القطاعان غير الماليين الأشد تعرضاً، حيث شهدت المتاجر الكبرى تراجعاً في مبيعاتها. وتقول مجموعة X5 لمبيعات التجزئة التي تدعي أنها أوسع سلسلة متاجر بيع في روسيا، إنها خفضت عدد العاملين في موسكو، وفي المكاتب الإقليمية بنسبة 30 في المائة. واما شركة جي كي فكتوريا، وهي شركة مبيعات تجزئة أخرى، فقد خفضت إجمالي عدد الموظفين بنسبة 10 في المائة. ومن بين شركات التطوير العقاري التي عملت على تجميد مشروعاتها مجموعة ميراكس التي تبني ناطحات السحاب المكونة من الكروم والزجاج التي كان من المقرر أن تكون مقر المركز المالي "للحي المالي في مدينة موسكو"، على طراز "كناري وارف" في لندن. ويقول ميخائيل دلياجن، من معهد مشاكل العولمة، إن إجراءات الإنقاذ لم تكن عاملاً مساعداً، كما يبدي تشاؤمه إزاء قدرة الدولة على التدخل وحماية الأسواق. ويضيف قائلاً: "إن عمليات الإنقاذ عملت على تسوية المشكلة قصيرة الأجل، ولكن المشكلة الكبرى ذات الأجل الطويل، بقيت. وهنالك فرامل شديدة توقف حركة العملية الاقتصادية في الوقت الراهن. ويستطرد دلياجن بقوله: "تحول النظام، بصورة مفاجئة، من اقتصاد قائم على التنمية والنمو، إلى آخر يسعى لكي يتمكن من مجرد البقاء على قيد الحياة. وإذا كنت تقود سيارتك على الغيار الخامس، ثم انتقلت فجأة إلى الغيار الأول. فماذا سيحدث للمحرك. إنه سوف ينفجر".


