بعد تخفيض منسّق في سعر الفائدة في تشرين الأول (أكتوبر)، خفضت الصين أسعار الفائدة في عرض تضامني. والآن يتحدث باقي العالم عن الحوافز المالية، وتتقدم الصين. فقد أعلن مجلس الدولة عن برنامج حافز مالي شامل للسير بالصين عبر الأعوام القاتمة المقبلة. غير أن الحافز يتخذ شكلاً خاطئاً. فبدلاً من محاولة دعم الاقتصاد الصيني كما كان عليه، فإن هذه فرصة لتحويله إلى شكل الاقتصاد الذي تريده الصين: اقتصاد يكون فيه للاستثمار المحلي أكثر من دور صغير ثانوي. وعلى الحكومة أن تستغل تلك الفرصة.
يجب ألا يكون مفاجئا كون الاقتصاد الصيني يتباطأ. فلابد للتباطؤ العالمي أن يصيب ثاني أكبر بلد مصدر في العالم. والآن يرى صندوق النقد الدولي أن الناتج الصيني، الذي زاد 11.9 في المائة عام 2007، سيزيد 9.7 في المائة عام 2008، و8.5 في المائة عام 2009. يبدو أن لذلك أثراً كبيراً في مسامع الغرب، لكن القليل من الدول قادرة على امتصاص هبوط قدره 3 في المائة في النمو السنوي دون أن تعاني أية مشكلة.
بتخفيض أسعار الفائدة ثلاث مرات خلال الشهر الماضي، يكون مجلس الدولة الصيني قد أخذ بنصيحة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وأتاح حافزاً بمبلغ 586 مليار دولار للإنفاق على مدار العامين المقبلين. ومن المتوقع للإسكان، والمرافق العامة، والإغاثة في حالات الكوارث، أن تكون المستفيد الرئيسي من ذلك البرنامج.
تم الإعلان عن أجزاء من هذا البرنامج مسبقاً، لذا فإن الحجم الحقيقي للحافز الجديد ليس واضحاً بعد. لكن المشكلة التي تعانيها الصين هي ما إذا كانت قادرة على بناء خطوط سكك حديدية كافية، وموانئ، وقنوات، ومنازل، للنجاة من التباطؤ العالمي. إن الأنموذج الاقتصادي الصيني بحاجة إلى إعادة تصميم جذرية.
ظل النمو الصيني إلى يومنا هذا أمراً استثنائياً، لكن كان يرتكز على الصادرات والاستثمار على حساب الاستهلاك. وهدفت الصين تقريباً إلى أن تكون كوريا الجنوبية بحجم مضخّم: في 2005 حقق حجم الاستثمار الرأسمالي ما يزيد على نصف حجم النمو في الناتج المحلي الإجمالي للصين. وكانت الكثافة الرأسمالية لنمو الصين تعني أن العوائد نمت بقوة كحصة من حجم الناتج المحلي الإجمالي. لكن تراجع نمو العمالة منذ فترة الثمانينيات، وبالتالي فإن العاملين حظوا بالقليل من المنافع.
وبقيمته الأقل من سعره الحقيقي، جعل الرنمينبي الواردات باهظة الثمن أيضاً، وأكد بُغض الصينيين للإنفاق. وتتصف الصين بطلب استهلاكي محلي قليل للغاية. فبينما حقق استهلاك الأسر ما يزيد على نصف حجم نمو حجم الناتج المحلي الإجمالي للصين في فترة الثمانينيات، فإنه يساهم الآن بما يزيد بقليل على الثلث.
مع غياب شبكة السلامة المحلية، فإن مدخرات الأسر الصينية كانت مرتفعة بما يعادل ربع الدخل المتاح للاستعمال عند الحاجة. وإضافة إلى ذلك ارتفعت مدخرات الشركات والحكومة. وعلى أية حال، كانت الصين تدخر ما يعادل 60 في المائة من حجم الناتج المحلي الإجمالي. وساهم ذلك إلى حدٍ كبير في إحداث خلل في ميزان المدخرات العالمية. وتكمن بعض أعمق جذور الأزمة الحالية في سد بعض العجز عند الغرب بمدخرات آسيوية.
وتدرك الحكومة الصينية أن عليها بناء طلب استهلاكي محلي، لكن حان الوقت للقيادة أن تضع أموالها في مكانها الصحيح. لكن واحسرتاه، برنامج الحوافز المخطط لا يحاول تعزيز الاستهلاك العام والخاص، لكنه يهدف بدلاً من ذلك إلى الحفاظ على الاقتصاد يتسكع إلى أن يتمكن من البدء بالتصدير مجدداً. ولن ينجح ذلك. هذه هي الفرصة الذهبية للعمل على إعادة توجيه نمط النمو نحو الاستهلاك، وبعيداً عن الاعتماد السابق على الصادرات والاستثمارات.
ففي دولة تفرض ضرائب مخففة على الأسر، هناك مجال محدود جداً للإفادة من التخفيضات في أسعار الفائدة. بل يمكن أن تكون الدفعات المالية أشد فعالية. الإنفاق العام على المدارس والخدمات الصحية يمكن أن يساعد أيضاً، بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وطالما أن المخاوف بشأن الدفع للصحة والتعليم تبقي على المدخرات مرتفعة، فإن ذلك يمكن أن يشجع أيضاً على زيادة استهلاك الأسر. كان زعماء الصين محقين في اقتراح برنامج حوافز مالية. لكن سيفوتون على أنفسهم فرصة إعادة الهيكلة الهادفة، إذا ما ركّزوا على الاستثمارات الأسمنتية ولم يتطلعوا إلى تحفيز إنفاق الأسر. إن مشكلة الصين أكثر من مجرد تراجع عالمي. فأنموذجها التنموي لم يعد مستداماً وحان وقت التغيير.