تسجيل الدخول كلمة المرور
مستخدم جديد
الجمعة old هـ. الموافق 15 أغسطس 2008 العدد 5422  
انت الآن تتصفح عدد من الارشيف, نشر قبل 580 يوم . عودة لعدد اليوم
طباعة طباعة
انشر الخبر في الفيس بوك انشر الخبر في تويتر حفظ ارسل لصديق طباعة علق


الأزمة الهندية والملف النووي الأمريكي



نجت الحكومة الهندية براحة من عملية لطرح الثقة بها في البرلمان الهندي أخيرا. ويتكون التحالف التقدمي الموحد من 13 حزباً سياسياً بزعامة رئيس الوزراء، مانموهان سنج من حزب المؤتمر. وبوجود 226 صوتاً لهذا التحالف في البرلمان، فإنه يظل عاجزاً عن تأمين أصوات الأغلبية البسيطة في البرلمان، وهي 272 صوتاً. وكان هذا التحالف قد صمد في الحكم بدعم الجبهة اليسارية التي تتكون من الأحزاب اليسارية، بما في ذلك الحزبان الشيوعيان في الهند. وكان قرار الجبهة اليسارية ذات الـ 59 مقعداً في البرلمان، بسحب دعمها التحالف الحاكم هو السبب المباشر في الأزمة السياسية القائمة حالياً في الهند.

وكان السبب المباشر للخلاف الذي وقع بين الجبهة والتحالف هو قرار سنج نقل ملف اتفاقية التعاون السلمي النووي بين بلاده والولايات المتحدة إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تعد جهة الرقابة النووية من جانب الأمم المتحدة. وكانت المشكلة تتفاقم منذ آب (أغسطس) عام 2007، حين وقعت الولايات المتحدة والهند اتفاقية للاستخدام السلمي للمواد النووية التي تنقل من الولايات المتحدة إلى الهند، حيث نصت على أن تخضع جميع المواد النووية المنقولة إلى الهند إلى شروط السلامة المتبعة في الاتفاقية الخاصة بين الهند والوكالة الدولية للطاقة الذرية. وكانت الجبهة اليسارية معارضة بشدة لأي محادثات بين الهند والوكالة الدولية للطاقة الذرية، لأنها كانت تخشى أنه بمجرد التوصل إلى اتفاقية حول شروط الحماية، فإن الاتفاقية الأمريكية ـ الهندية تدخل حيز التنفيذ.

وبرزت هذه الاتفاقية كحجر أساس في العلاقات الهندية الأمريكية بسبب الإصرار الهندي عليها. وكانت الهند لنحو أربعة عقود خارج نطاق الاتفاقيات النووية الملزمة، وخارج إطار الترتيبات، ومجموعات التزويد التي تتولى الإشراف على عدم انتشار الأسلحة النووية، التي كان من بين أهدافها حرمان الهند من التكنولوجيا النووية. وفرضت الولايات المتحدة، بصفتها زعيمة للمجموعة المناهضة لانتشار الأسلحة النووية، قيوداً على وصول المواد النووية إلى الهند منذ أواخر السبعينيات. وفي ظل التحول الإيجابي في العلاقات الهندية ـ الأمريكية منذ عام 2001، بدأت الهند في توجيه المزيد من الضغوط الدبلوماسية والسياسية على الولايات المتحدة لتخفيف قيود استيراد المواد ذات الاستخدام النووي السلمي والحربي، وكذلك زيادة التعاون الثنائي بين الطرفين في تكنولوجيا الفضاء، والتكنولوجيا النووية السلمية. وكانت الضغوط الدبلوماسية الهندية، والمصلحة الاستراتيجية الأمريكية في أن ترى الهند كقوة رئيسة موازنة للقوة الصينية، هما المحركان الأكثر أهمية في إبرام اتفاقية التعاون النووي.

غير أن هذه الصفقة عملت على تقسيم الهند. وتعمل الصفقة في نظر حزب المؤتمر، والتحالف الحاكم، على تمكين الهند من الحصول على التكنولوجيا النووية من مختلف أرجاء العالم. أما حزب جاناتا المعارض الرئيس، ومن معه من أحزاب التحالف الديمقراطي الوطني، فيرون في الصفقة مجرد عنصر في شراكة أوسع بكثير مع الولايات المتحدة. ومن السخرية أن جاناتا حين كان في الحكم، كان على استعداد لتقديم تنازلات أوسع للولايات المتحدة من تلك التي قدمها حزب المؤتمر لعقد هذه الصفقة. وأما الجبهة اليسارية، فإنها تدين أي تعامل مع الإمبريالية الأمريكية.

وبحجب الثقة، تدخل السياسة الحزبية السياسة الخارجية الهندية بكامل قوتها، ومجيء تدفق السياسة الخارجية من السياسات المحلية ملاحظ بشكل واضح ومبتذل في الوقت ذاته. وما هو مثير إزاء المشهد الحالي هو أن قرارا في السياسة الخارجية بعيد تشكيل التحالفات السياسية الداخلية الهندية للمرة الأولى، فلم يحدث ذلك حتى في عام 1962 بعد هزيمة الهند المذلة على يد الصين في تلك الحرب الحدودية، وببساطة فإن آخر مسمار قد تم دقه في نعش الإجماع في الهند.

ومع أنه يبدو أمرا غير معقول في سياق السياسة المفسخة في الهند في الوقت الحالي، فان إجماعا سياسيا كان موجودا في الهند خلال العقود الثلاثة الأولى للاستقلال، لكن استناداً إلى عدم الانحياز ومعاداة الاستعمار في العلاقات الدولية، والديمقراطية والعلمانية في السياسة الداخلية، والتخطيط المركزي والاعتماد على الذات في التنمية الاقتصادية والإصلاح المنادي بالمساواة والعمل الإيجابي في المجال الاجتماعي.

ومن أوائل تسعينيات القرن الماضي كان الإجماع الوطني يتهاوى باستمرار في المجالات السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والآن انهار المعقل النهائي للإجماع، وهو السياسة الخارجية. ويقع الإجماع الوطني في الهند حاليا في حالة خراب، وستحتاج إعادة بنائه جيلا على الأقل.

وبينما كسبت الحكومة الجولة بوضوح، وبالتالي، كسبت تأجيلا لنحو ستة أشهر للاستفادة إلى أقصى حد من الميزة السياسية والانتخابية فإن رائحة الفساد السياسي فاحت خلال الفترة الكاملة التي أدت إلى تصويت الثقة، ومشهد ثلاثة أعضاء من حزب جاناثا وهم يدخلون إلى المجلس يلوحون برزم من الأموال التي زعموا أنهم تلقوها لشراء أصواتهم البرلمانية لجذب انتباه التلفزيون.

ولا تكمن المأساة فقط في الطبيعة المتقلبة للادعاء، والطريقة القذرة التي أطلق بها الاتهام، بل تكمن في أعقاب الفضيحة بأسرها. وهي مجرد لحظة في السعار الذي لا حدود له في عالم السياسة الهندية، مجرد فصل جديد في الفوضى التي تدب في الإجراءات التي تتصف بالهياج والفوضى من البداية إلى النهاية.

ووفقا لسي نورتكون باركنسون، هنالك ثلاث مراحل في حياة مؤسسة هاجعة: مرحلة الاعتذار، والتي مازال وجود المعايير العالية معترفا به داخل المؤسسة، ومرحلة الاعتداد بالنفس التي توضع فيها المعايير بشكل مدروس بصورة متدنية جدا يمكن تحقيقها بسهولة شديدة، وأخيرا مرحلة اللامبالاة التي لم تعد المعايير فيها، عالية أو متدنية، معترفا بها من قبل المؤسسة. وهنالك قلق حقيقي من أن البرلمان الهندي قد يدنو من المرحلة الثالثة للتآكل الباركنسوني.

ولكن هنالك شيئا غامضا إزاء المداولات في البرلمان والتي توجت بالتصويت يوم 22 تموز (يوليو). فالمشهد بأكمله، واللحظات القذرة وغيرها، ظهرت أمام كاميرات التلفزيون، فهذا بلد يضم أكثر من مليار نسمة، متنوع في العقلية ويتشاجر علانية حول مستقبله الاستراتيجي، ويضع كل شيء أمام مرأى العالم بأسره فكيف يمكن للنوادي والغرف التي تعج بالدخان أو المكاتب السياسية أن تدير هذا البلد؟

عدد القراءات: 386
طباعة طباعة
انشر الخبر في الفيس بوك انشر الخبر في تويتر حفظ ارسل لصديق طباعة علق



لا يوجد تعليقات


  • اضف تعليق
  • ارسل لصديق
التعليق مقفل
اسم المرسل بريد المرسل
بريد المستقبل (يمكن اضافة اكثر من عنوان بريدي، مفصولة في ما بينها بمسافة او فاصلة)
تعليق

الاقتصادية اون لاين

الأكثر تفاعلاً

  • قراءة
  • تعليقاً
  • ارسالاً