القدس ونفط الشرق الأوسط
"القدس عاصمة أبدية لدولة إسرائيل والاستغناء عن نفط الشرق الأوسط".. هذان الشعاران يبدو أنهما في نظر كل متسابق لاحتلال كرسي البيت الأبيض هما العصوان السحريتان اللتان في التلويح بهما أو في "الهش" بهما وفي الاتكاء عليهما، أو حتى في الإيهام بأنهما عصوين لمايسترو سيمفونية افتح يا سمسم بوابة البيت الأبيض.. أبرز تأشيرات الدخول إليه.
فمنذ عقدين من السنين على الأقل وقدس فلسطين مع نفط الشرق الأوسط يحتلان صدارة حملات الانتخابات الرئاسية، لأن القدس كعاصمة لإسرائيل تعد في نظر اللوبي الصهيوني "دمغة" المصادقة الأولى لكي يمر هذا المرشح أو ذاك في سباق الرئاسة، فدون ذلك لا يتم التفكير فيه بتاتا وإنما شطبه من أول التحضيرات وإزاحته عن المسار إلى قارعة الطريق ليندب حظه وليكون عبرة للآخرين.
أما فيما لو صادق على الافتراء الصهيوني وعلى الاغتصاب العنصري لمدينة القدس لتكون (فقط) عاصمة للدولة العبرية وعلى أن تكون فلسطين دولة لليهود عندها تبدأ المفاضلات بينه وبين سواه على قدر التنازلات والرضوخ لإملاءات اللوبي الإسرائيلي في دهاليز صناعة القرار وفي مفاصل قوى المال والاقتصاد والصناعة والإعلام المدارة بنفوذ قوى الضغط اليهودي التي تعدل كل قوى ضغط شعب أمريكا بكامل تنويعاته وإثنياته، إذا لم تكن تفوقه وزنا وقوة.
أما نفط الشرق الأوسط، وإن أضيف إليه لاحقا نفط البرازيل وغيرها من دول لا تسير في ركاب أمريكا، فقد بات هو الآخر محفزا للوطنية الأمريكية التي ينبغي ألا يتسبب هذا النفط، من هؤلاء البدو، بالنيل منها من خلال التحكم في تصديره أو في أسعاره في مغالطة خبيثة تخفي داخلها حقيقة كون دول الشرق الأوسط النفطية لم تمارس أصلا ابتزازا طوال الفترة الماضية لا في حجم المصدر منه ولا في المبالغة في أسعاره، بل هي الشركات (الأمريكية في الغالب) التي تجعل من أسعاره ثقلا اجتماعيا اقتصاديا على مواطنيها وعلى دول العالم الأخرى بما تضع عليه من الضرائب والرسوم والتأمينات التي تقفز به إلى ما لا دخل لدول الشرق الأوسط فيه لا من قريب أو بعيد..
بل إن في الضرب على وتر مسؤولية نفط الشرق الأوسط عما يعانيه الغرب من ارتفاع أسعار الوقود فيه فخ سياسي يقف خلف نصبه اللوبي الصهيوني في أمريكا واليمين المحافظ المتحالف معه أيضا لأغراض عدة، منها تعزيز الاتجاه في ضرورة السيطرة على منابع النفط والتحكم فيها لكيلا تظل في أيادي أهل الشرق الأوسط الأجلاف، وتعميق الكراهية والحقد والغضب ضد دوله، بزعم أنها جشعة أنانية لا بهمها خراب بيوت الآخرين وتهديد حضارتهم وتدمير مسار التقدم والرقي في بلدانهم، إلى آخر هذه المزاعم التي تساق في هياج (بلاوي) نفط الشرق الأوسط الذي ينبغي الاستغناء عنه!!
وإذا كان (أوباما) أو (ماكين) يشتركان في جلد نفط الشرق الأوسط، وفي رفع الصوت عاليا في كل منبر لتأكيد القدس عاصمة أبدية لإسرائيل.. وأنه لا سبيل لكشف هذه المزايدة في الحالتين للشعب الأمريكي وإزالة الغمامة عن عينيه فإنه لا سبيل أيضا لأن تنطلي هذه المزايدة على أهل الشرق الأوسط ومعهم شعوب العالم.. فالمرشحان لا يناديان بالقدس عاصمة لإسرائيل عن قناعة شريفة لكنها تأتي تحصيل حاصل كموقف استراتيجي من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في المصادقة على كل ما تريده إسرائيل رغم أنف القانون الدولي والحق والعدالة حيثما كانت وبمنطق القوة.. وأن أي مرشح لن يخرج عن هذا الموقف وما يميز الواحد عن الآخر هو قول الشيء نفسه بكلمات مختلفة شكلا فقط.
أما المزايدة على الاستغناء عن نفط الشرق الأوسط فذلكم مجرد كلام للاستهلاك الشعبي، وإلا فإن أمريكا من خلال شركاتها هي من يستفيد أولا وأخيرا من خيرات هذا النفط ومن أجله تعقد الأحلاف وتشن الحروب وتغزو كما حدث في العراق وكما تخطط لوضع يدها على كنوز دارفور السودان، وكما حاولت مع الصومال وما زالت تحاول هناك في جيوب إفريقية أخرى علاوة على أماكن أخرى من العالم.
الاستغناء عن نفط الشرق الأوسط شعار استهلاكي، ذلك أن اقتصاد نفط الشرق الأوسط في النهاية يصب قدر مهم منه في بحر الاقتصاد الأمريكي عبر الشركات، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فغلاء أسعار النفط في الولايات المتحدة، لا دخل لنفط الشرق الأوسط فيها لأن النفط المستهلك في الداخل الأمريكي يأتي معظمه من غير دول الشرق الأوسط وكان الأولى أن يوجه اللوم للمصادر الحقيقية وليس لتلك التي لا تشكل إلا النسبة الضئيلة التي تكاد لا تذكر.
ويبقى لنا أن نقول إن ما يقال في حملات السباق للبيت الأبيض يدخل في باب النفاق السياسي للمتسابقين لاحتلاله، وهو نفاق مكشوف على مستوى العالم حتى لو خفي على معظم الداخل الأمريكي الذي تعود على الاستهلاك ولا أهمية لكون ما يستهلكه مصنـّعا أم طبيعيا!!






لا يوجد تعليقات