سولجنتسين الناقد المستمر
عندما يدوَّن التاريخ عن زوال الاتحاد السوفياتي، فإن دور ألكسندر سولجنتسين الذي مات في موسكو عن 89 سنة، سيستحق تنويها مهماً.
فلولا نشر كتبه حول المعتقلات السياسية التي أقامها جوزيف ستالين – من "يوم في حياة إيفان دينسوفيتش"One day in the Life of Ivan Deni so vich إلى "أرخبيل المعتقلات" Gulag Archipelago ـ لما أمكن كشف البشاعة الكاملة لذلك النظام.
فهو لم يقدم عرضا دقيقا لقسوة النظام فحسب، بل ساعد أيضا في تدميره وضمان أنه لا يمكن إحياؤه. لذلك السبب لقي تمجيداً في العالم الغربي وكوفئ بجائزة نوبل للآداب، ولَعَنَهُ الكثيرون في موطنه روسيا على أنه خائن.
لكن سولجنتسين كان ناقداً جداً للمادية والفساد الأخلاقي للغرب، حيث عاش في المنفى طوال 20 سنة، مثلما كان ناقداً لقسوة وفساد وطنه. وفي الحقيقة، وفي خطاب شهير ألقاه في جامعة هارفارد عام 1978، في ذروة الحرب الباردة، انتقد "الحرية الهدامة وغير المسؤولة" في الحياة الغربية، بما فيها "تدفق المعلومات المفرط والمرهق" من وسائل الإعلام. وشجب اتفاقية السلام الأمريكية في فيتنام، ورفض أي فكرة لفرض "أنموذج غربي" بدل الشيوعية في روسيا.
وعندما عاد إلى موسكو من المنفى عام 1994، استقبل لفترة وجيزة كبطل، لكنه أفل نجمه وفقد الاحترام الشعبي عندما ذاع صيته كناقد بائس ومشاكس للنظامين القديم والجديد. وظل شخصا لا كرامة له في وطنه، مثلما كان في الماضي ضيفاً غير مريح بصورة متزايدة في الخارج.
يحتاج المرء إلى شخصية استحواذية حتى يكون ناقداً شجاعاً ومستمراً للديكتاتوريات القاسية. ومن المؤكد أن سولجنتسين تلاءم مع ذلك الطراز، مثلما فعل شخص بارز آخر بين المعارضين السوفيات الذين ظهروا في ستينيات القرن الماضي، هو الفيزيائي أندرية ساخارف. وقد جعل منهما رفضهما التنازل شخصين غير ملائمين لأي دور بعد الثورة.
لكن روسيا في عهد فلاديمير بوتين عادت إلى العالم الذي كان سولجنتسين يؤمن به. فقد كان ذا نعرة قومية، مدافعاً شديداً عن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، ومقتنعاً بدور روسيا الثقافي الفريد في العالم.
وفي عام 2006 اجتذب مسلسل تلفزيوني استند إلى رواية "الدوار الأول"، حول المأزق الأخلاقي للسجناء السياسيين الذين كانوا أيضا علماء يعملون مع الدولة الستالينية، جمهوراً من 15 مليوناً. وفي عام 2007، منحه بوتين جائزة الدولة لعمله الإنساني . ومع أن ذلك كان تقديراً متأخراً، لكن سولجنتسين بوصفه ناقدا مستمرا ربما كان سيستهجن ذلك ويرفضه.






لا يوجد تعليقات