موت الحلم الغربي بأفغانستان ديمقراطية
الهزيمة في أفغانستان أمر لا يخطر على بال الحكومات الغربية. هذا ما يقال علانية، لكن، وبشكل غير معلن الهزيمة في نظر الكثيرين تبدو حتمية ـ على الأقل إن ظل التعريف الغربي لـ "النصر" الأهداف المضخمة جداً التي وضعت منذ الإطاحة بطالبان، ضمن أي إطار زمني يحتمل أن يكون مقبولاً للناخبين الغربيين.
في اجتماعات أخيرة ضمت مسؤولي الناتو، صعقت من الربط بين الاعتراف العلني بأن القوى الغربية حتى تحقق تقدماً حقيقياً ومستقراً في أفغانستان، ربما يتعين عليها أن تبقى هناك لجيل على الأقل، وبين التشكك العميق غير المعلن في أن الجماهير الغربية ستظل على هذا الموقف لهذه الفترة الطويلة.
وفي الحقيقة معظم الخطط تحمل الهدف الميؤوس منه بالوصول إلى نتائج واضحة خلال ثلاث سنوات، وخوفاً من أن كندا لن تطيل وجودها إلى ما بعد عام 2011، ومن أن جهود الناتو بأسرها ستبدأ بالتفكك.
وبالمثل، التصريحات العلنية بالثقة في الديمقراطية الأفغانية تقترن بتعبيرات غير معلنة تقارب اليأس، حين يصل الأمر إلى الآمال في تحسين إدارة حامد كرزاي. ويعترف كثير من المسؤولين الغربيين، فيما بينهم، بأن أي آمال حقيقية في إيجاد أفغانستان ديمقراطية هي الآن آمال ميتة. وكان التعليق الهازئ الذي أدلى به ضابط رفيع المستوى: "إذا استطعنا أن نحقق ديكتاتورية متحضرة باعتدال وعسكرية كفؤة، فإننا سنكون في الحقيقة محظوظين جداً".
وكل تصريح يدلي به قادة غربيون، مثل جوردون براون، رئيس الوزراء البريطاني، بأن هذا صراع من أجل الديمقراطية الأفغانية يجعل من الصعب تغيير المسار. والغرب أمضى كثيراً من الوقت في التحدث عن مؤهلات كرزاي الديمقراطية حتى أننا نشعر ـ على نحو سخيف ـ بأننا لا نستطيع أن ننفض يدنا منه، حتى عندما يعترض على السياسات الغربية المهمة جداً.
والخطوة الأولى لإعادة التفكير في الاستراتيجية إزاء أفغانستان هي التفكير بجدية في الدروس التي توصل إليها استطلاع للرأي أجري أخيرا، بين مقاتلي طالبان العاديين ـ أجري بتكليف من "تورونتو جلوب" و"ميل"*. وكانت نتائج الاستطلاع لافته للنظر: الافتقار واسع الانتشار لأي تعبير قوي عن الولاء للملا عمر وقيادة طالبان، والأسباب التي أعطاها معظمهم للانضمام إلى طالبان ـ وهي بالتحديد وجود الجنود الغربيين في أفغانستان. وذكر كثير من الذين شاركوا في الاستطلاع موت الأقارب، أو الجيران على أيدي تلك القوات سببا آخر للانضمام إلى طالبان. وهذا يثير التساؤل حول ما إذا كانت أفغانستان لا تصبح نوعاً من منطقة صيد سريالية، تفرّخ أمريكا وحلف الناتو فيها "الإرهابيين" الذين يقومون بعد ذلك بتعقبهم.
وعلينا أيضاً أن نتذكر السبب الذي جعل الولايات المتحدة تغزو أفغانستان بمساندة حلف الناتو في المقام الأول: ليس لإقامة الديمقراطية ولا حتى للإطاحة بطالبان، لكن لقتل قادة القاعدة أو القبض عليهم. واليوم يجب جعل قتل أسامة بن لادن الأولوية الأولى للاستخبارات الغربية في المنطقة، وليس هذا لأنه سيكون ذا أثر كبير مباشر فيما يتعلق بالتهديد الإرهابي العالمي ـ فهو لن يفعل ذلك لأن القاعدة وحلفاءها أصبحوا منذ فترة طويلة لا مركزيين ـ بل لأن مثل هذا النجاح العام يمكن أن يجعل الأمور أمامنا أسهل بكثير لنعلن النصر ونعود إلى الوطن.
وفي الوقت الذي يجب علينا، بلا أي شك، ألا نخرج دون إيجاد نوع من التسوية في أفغانستان، فإن كل خطة يضعها الغرب ينبغي أن تصاغ مع وضع انسحاب نهائي وكامل في الحسبان. علينا أن نبدأ الآن مفاوضات جدية مع قيادة طالبان. ليس لأن مثل هذه المحادثات تعد بأي فرصة تحمل نتائج، بحلول الانتخابات الأفغانية في العام المقبل، أو بحلول عام 2011، لكن لأن الأغلبية الكبيرة للتسويات الخاصة بمثل هذه الصراعات لم تتحقق إلا بعد سنوات كثيرة من المفاوضات.
وأي أمل إما في تحقيق تسوية أو في احتواء حرب أهلية أفغانية بعد انسحاب الغرب، يعتمد أيضا وبشكل حاسم على جيران أفغانستان. يجب إشراك إيران وباكستان بالدرجة الأولى، وروسيا والهند والصين في المرحلة الثانية، إشراكاً كاملاً في جميع الخطط لمستقبل أفغانستان. ويجب الاعتراف بمصالحها الحيوية في هذا البلد، وتكريس الانتباه الدبلوماسي لمحاولة إقامة إجماع إقليمي.
وعلينا أن نتجنب القيام بأعمال في أفغانستان تؤدي إلى زعزعة أولئك الجيران وتنفيرهم ـ مثل الضربة الجوية الأمريكية عبر الحدود التي أدت فقط إلى مقتل 11 جندياً باكستانياً. وستكون باكستان مهمة لاستقرار أفغانستان بعد وقت طويل من مغادرة الغرب للمنطقة.
لا يوجد أي حل سريع للصراع الأفغاني، لكن الخطوات التي نصحت بها توفر شرطاً مسبقاً لا مفر منه لتحقيق ولو تقدم محدود، وهو يعني أن نتوقف عن حشر أنفسنا بشكل أعمق في الحفرة الموجودة التي حفرناها لأنفسنا.






لا يوجد تعليقات