تسجيل الدخول كلمة المرور
مستخدم جديد
الأحد old هـ. الموافق 15 يونيو 2008 العدد 5361  
انت الآن تتصفح عدد من الارشيف, نشر قبل 645 يوم . عودة لعدد اليوم
طباعة طباعة
انشر الخبر في الفيس بوك انشر الخبر في تويتر حفظ ارسل لصديق طباعة علق


مشكلة اختلاف الفتوى في الهيئات الشرعية



من التجارب التاريخية المهمة في موضوع تنظيم الفتوى المالية؛ ما تحدثت عنه في المقالة السابقة، وهي التجربة التي حدثت في عهد الدولة العثمانية إبان انفتاحها على المذاهب الفقهية الأخرى، وهي ما تسمى بـ "المعروضات"، وتعني: الفتاوى التي يعرضها شيخ الإسلام – المفتي العام آنذاك – على السلطان العثماني، ليعتمدها ويصدر بها مرسوماً عالياً، ويلزم المفتين في الدول العثمانية بالعمل بها، وهي مسائل محددة، كان من المصلحة توحيد الفتوى بشأنها، لتنتظم أحوال الناس، ويتوحد القضاء فيها في سائر أقطار الدولة.

ومن الطبيعي أن تأخذ تلك "المعروضات" طابعاً قانونياً، فقد كان شيخ الإسلام أبو السعود (ت982هـ) من المتمرسين في العلوم الفقهية وبالأخص الفتيا والقضاء، وقد شارك بنفسه في صياغة مجموعة القوانين التي وضعتها الدولة العثمانية في زمن السلطان سليمان القانوني، ذلك السلطان الذي اشتهر بهذا اللقب، لالتزامه بإنفاذ القوانين العادلة، وهو يعد أول واضع لمدونة قانونية مستمدة من الشريعة، شارك في صياغتها المفتي العام في الدولة، تلك التي عرفت باسم "سليمان قانون نامه".

وقد كان سليمان القانوني شديد الإعجاب بشيخ الإسلام أبي السعود، حتى أنه أصدر أمره إلى المفتين والقضاة في الدولة بالتزام فتاويه وعدم الخروج عنها، ومن الغرائب أنه أوصى أن تجعل هذه الفتاوى في صندوق، وتدفن معه في قبره، وقد وقفت على لوحة فنية "منمنمة" تصور نعش السلطان القانوني وهو في طريقه إلى القبر، يتقدمه صندوق يحوي فتاوى أبي السعود.

ومن أمثلة الفتاوى الملزمة "المعروضات"، ما سئل عنه أبو السعود من أن تاجراً باع بغير السعر الذي حددته الدولة، وتم نصحه فأصرَّ على ذلك، فكان الجواب: إنه يستحق التعزير والتأديب، وإذا تاب هل يرد الربح إلى صاحبه؟، الجواب: إنه لا يرده إذا كان البيع بالتراضي، كذا جاء في نص الفتوى.

وفكرة "المعروضات" هذه تضاهي ما يعرف في المجال القانوني بـفكرة "تدرج القوانين"، بحيث يقدم الرأي المضمن في المعروضات على ما سواه من الآراء الفقهية، فتكون كالدستور بالنسبة لسائر القوانين، وتفعيل هذه الفكرة في حقل الفتاوى المالية الصادرة من الهيئات الشرعية، يحقق لنا فوائد جمة، من أهمها: تحقيق الاستقرار الفقهي النظامي في مجال المالية الإسلامية في المسائل التي يكثر فيها اللغط، وتضييق نطاق الفتاوى الظرفية، وتكريس الثقة بالفتيا المالية من قبل الجمهور، وحماية الفتيا من التأثر بضغوط المؤسسات المالية، أو الجمهور، أو السوق، وضمان حياديتها واستقلالها، وتعزيز الوضوح والشفافية الفقهية في هذا المجال.

لقد كانت "المعروضات" تؤكد: على المفتين في الدولة العثمانية التزام القول الراجح – في المذهب الحنفي -، وضرورة طرح الأقوال المرجوحة والضعيفة، إلا "للعلماء العظام الذين يعلمون تفاصيل الأحكام وأدلتها" على حد تعبير أبي السعود، فهؤلاء يقبل منهم ما لا يقبل من غيرهم، لأنهم بلغوا مستوى يستطيعون فيه الفحص الفقهي المنهجي، ويقتدرون على التمييز بين المصلحة المعتبرة، والمصلحة الملغاة شرعاً، وهذا التأكيد يبين أهمية التزام الفتاوى بالأصول الضابطة للنظر الفقهي، وهي أصول معروفة لدى المشتغلين بالصناعة الفقهية، فالرأي أن تتوجه الهيئة العليا المقترحة؛ إلى صياغة النظام العام الذي هو كالدليل الإرشادي للهيئات الشرعية، وليكن هذا الدليل مستنداً إلى: المقاصد الشرعية، والقواعد الأصولية، والقواعد الفقهية، ويمكن أن يضم إليها بعض القواعد الإجرائية المناسبة، كالنص على شروط أعضاء الهيئة الشرعية، وطرق التعيين والإعفاء، وحكم الجمع بين عضويتي هيئتين فأكثر للعضو الواحد، وهكذا.

إن الاتجاه إلى إنشاء هيئة شرعية عليا، تمنح المنتجات الإسلامية شهادات التزام؛ يجب أن يترافق مع الاستنارة بآراء الخبراء والمختصين في الفقه والفتوى والمالية والاقتصاد، تنتظمهم لقاءات علمية، وندوات فقهية مالية، وورش عمل متخصصة، وأن يتم تداول الرأي حول قضاياها وموضوعاتها في جو مفتوح، يسمح من خلاله بالنقد البناء، والاستماع إلى الأفكار الجديدة المبدعة.

أستاذ الفقه المساعد

جامعة الملك فهد للبترول والمعادن

muzeini@kfupm.edu.sa

عدد القراءات: 201
طباعة طباعة
انشر الخبر في الفيس بوك انشر الخبر في تويتر حفظ ارسل لصديق طباعة علق



لا يوجد تعليقات


  • اضف تعليق
  • ارسل لصديق
التعليق مقفل
اسم المرسل بريد المرسل
بريد المستقبل (يمكن اضافة اكثر من عنوان بريدي، مفصولة في ما بينها بمسافة او فاصلة)
تعليق

الاقتصادية اون لاين

الأكثر تفاعلاً

  • قراءة
  • تعليقاً
  • ارسالاً