تسجيل دخول
نسيت كلمة المرور |  مستخدم جديد
 
الأحد old هـ. الموافق 15 يونيو 2008 العدد 5361
آخر الأخبار
انت الآن تتصفح عدد من الارشيف, نشر قبل 2377 يوم . عودة لعدد اليوم

اجتماع جدة للطاقة.. رؤية (2)

البحث في العوامل المؤثرة في أسعار النفط

abanamay@gmail.com

إن للتذبذب والتقلبات الكبيرة في سعر النفط نتائج تكون شبه تلقائية بسلبياتها في اقتصاديات وسياسات دول العالم قاطبة سواء المستهلك منها أو المنتج. والجدل ما زال مستمراً حول قضية ارتفاع أسعار النفط وزادت حدته خصوصاً في هذا العام عندما ارتفعت أسعار النفط في خلال الأشهر الستة الماضية فقط بنحو 40 في المائة منذ كانون الثاني (يناير) الماضي، وسجلت أرقاما قياسية غير مسبوقة وبارتفاع 11 دولاراً في يوم واحد فقط وتجاوزت أسعار النفط وللمرة الأولى على الإطلاق 139 دولاراً للبرميل في بورصة نيويورك التجارية التي حذت بالقيادة السعودية، كون المملكة أكبر منتج ومصدر للنفط، إلى الدعوة إلى اجتماع يضم ممثلين عن الدول المنتجة والدول المستهلكة والشركات العاملة في إنتاج البترول وتصديره وبيعه وذلك للنظر في ارتفاع الأسعار ومسبباته وكيفية التعامل الموضوعي معه، ولقد تقرر أن ينعقد ذلك الاجتماع الدولي على مستوى رؤساء الدول المصدرة والمستهلكة للنفط في مدينة جدة في الـ 22 من حزيران (يونيو) الحالي.

وفي محاولة لتسليط الضوء على هذه القضية المهمة نتطرق في سلسلة من المقالات وبشفافية مطلقة عن بعض التحديات الرئيسة أمام دول العالم الآن من خلال البحث عن ماهية الأسباب الكامنة وراء تلك الارتفاعات وتفنيد الوسائل والمقومات الخاصة بتلك المادة التي تعد أهم وأكثر السلع تداولاً في العالم وإلقاء الضوء على أهم العوامل الأساسية التي تؤثر في اتجاه السوق النفطية وتؤثر في تغير أسعار النفط التي يترتب عليها ارتفاع تكلفة الطاقة والتي بدورها تتسبب في ارتفاع تكاليف الإنتاج الصناعي والزراعي والنقل...إلخ وبالتالي ارتفاع المستوى العام. ولقد بدأنا المقال الأول بتسليط الضوء على السبب الرئيس في ارتفاع أسعار النفط من وجه نظر المنتجين، وهنا سنلقي الضوء على السبب الرئيس في ارتفاع أسعار النفط من وجه النظر العامة لمستهلكي للنفط.

وجه نظر المستهلكين

منذ أن بدأت الأسعار في الارتفاع والجدل محتدم في البلدان المستهلكة حول اتهام الولايات المتحدة الأمريكية منظمة الدول المصدرة للبترول "أوبك" بأنها تمارس أعمالاً احتكارية تسببت في رفع أسعار البترول، وأن "أوبك" تمثل دولا تسعى إلى زيادة هوامشها الربحية عن طريق الاحتكار ودون مراعاة تأثير ذلك في الاقتصاد العالمي. وفي المقابل، تنفي "أوبك" مسؤولية ارتفاع الأسعار التي لا تعكس التفاعل بين العرض والطلب الفعلي، وتؤكد "أوبك" وبتأييد من نظيرتها - أي وكالة الطاقة الدولية، أن هنالك توازناً، على الرغم من أنه دقيق جداً، بين العرض والطلب الفعلي للنفط بين المنتجين والمستهلكين ولكن السوق البترولية تتأثر في الوقت الحالي بكثير من العناصر الخارجة عن إرادة المنتجين وتؤكد "أوبك" أنه ليس من مصلحتها ولا من مصلحة أعضائها ارتفاع أسعار البترول بهذه الوتيرة السريعة وغير المسبوقة في تاريخ الأسعار والتي لا تسمح للاقتصاد العالمي بالتأقلم عليها والتي حتماً ستخلق سلسلة من العناصر السلبية لارتفاع تكلفة الطاقة الذي يتسبب في ركود الاقتصاد العالمي والذي يؤدي بالتالي إلى تراجع وانخفاض في الطلب العالمي على النفط مما سيتسبب في تتراجع أسعار النفط وربما بشكل حاد.

وعلى الرغم من أن الاتهامات الأمريكية القانونية والتهديد بالملاحقة القضائية لـ "أوبك" أو أعضائها ليس لها أي مستند قانوني وأن الأعراف الدولية والقانون الدولي مستقرة في هذا المجال وهو حقوق كل دولة في السيادة الكاملة بالتصرف بحرية مطلقة في الثروات الوطنية...إلخ، إلا أن التهمة نفسها تنفيها "أوبك" جملة وتفصيلا وتؤكد أنها تتبنى استراتيجية طويلة المدى ترتكز على احترام آليات السوق والتزام أعضائها بضمان استقرار الأسواق النفطية وأنها تعمل بجد مع جميع الأطراف من أجل تأمين استقرار الأسواق النفطية وبأسعار معقولة لا تضر الاقتصاد العالمي وتكون مجزية للمنتج والمستهلك على السواء، فهل تاريخ الممارسات العملية لـ "أوبك" وطبيعة آلية أسعار البترول تثبت أو تنفي أي دور لـ "أوبك" في التسبب في ارتفاع الأسعار؟

طبيعة آلية أسعار البترول

لا جدال بأن النفط يمثل المحرك الرئيس للاقتصاد العالمي والعصب الصناعي لدول العالم قاطبة وهو من أهم المعايير الرئيسة التي لها تأثير عالمي سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية أو العسكرية بل هو بحق أهم الدعامات التي ترتكز عليها الحضارة الإنسانية، ومن بين جميع مصادر الطاقة الأخرى يعد النفط في الوقت الحاضر من أكثر السلع الاستراتيجية تداولاً في العالم.

ومنذ اكتشافه بكميات تجارية، يتميز البترول بنزاعات دولية بين القوي الذي يستهلك البترول والضعيف المصدر لهذه السلعة الحيوية الاستراتيجية، وكانت الخمسين سنة الأولى من عمر البترول تحت السيطرة الأمريكية الكاملة تقريباً، وعندما تعرضت أسعار النفط إلى تذبذبات حادة في بدايات القرن الماضي (عام 1920م) قامت الولايات المتحدة باستحداث نظام آلية تربط السعر بالإنتاج MOP، واستقرت الأسعار عند مستوى ثلاث دولارات للبرميل؛ وبعد ثمانية أعوام كونت الشركات السبع أو ما يعرف بـالأخوات السبع أو مجموعة السبع أخوات، وهو اللقب الذي أطلقه أنريكو ماتيه الإيطالي على تلك الشركات الاحتكارية التي كانت تتحكم في نفط العالم آنذاك، وتضم: ستاندراد أوف نيوجرسي الأمريكية، مجموعة رويال دوتش شل الهولندية - الإنجليزية، شركة البترول البريطانية bp، شركة جلف كوربوريشن الأمريكية، وشركة تكساكو الأمريكية، وشركة موبيل أويل الأمريكية، وشركة البترول الفرنسية، ووضعت مجموعة السبع شركات نظاما خاصا أو كارتيل فيما بينها وظل يحكم السوق حكماً تاماً حتى منتصف القرن الماضي (عام 1950م) وفقدان هذه المنظومة من الشركات "الكارتل" السيطرة على سوق النفط تدريجياً بدخول الشركات المستقلة الجديدة كمنافس لتلك الشركات العظمى في السوق العالمية، وتزامن ذلك مع استقواء الدول المنتجة ومطالبتها بحقوقها وأسست على أثرها في عام 1960م منظمة الدول المصدرة للنفطOil Producing Exporting Countries واختصاراً "أوبك" وبعضوية كل من المملكة العربية السعودية، إيران، العراق، فنزويلا، والكويت ثم انضم إلى عضويتها فيما بعد عدد آخر من الدول المنتجة للنفط ليبلغ عددها الآن عشر دول أعضاء بعد أن انسحبت الإكوادور وإندونيسيا. وكان الغرض من إنشائها هو ضمان حقوق الدول المنتجة في صناعة النفط، وفي عقدي السبعينيات والثمانينيات شهدت صناعة البترول تطورات جذرية على الساحة الدولية؛ حيث انتقلت السيطرة على الإنتاج من أيدي الشركات إلى أيدي الدول المصدرة.

في واقع الأمر لم تتأثر أسعار النفط من إنشاء "أوبك" فلقد تراوحت أسعار النفط الخام خلال الفترة من نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1948م مروراً بتاريخ إنشاء "أوبك" حتى نهاية الستينيات بين دولارين ونصف وثلاثة دولارات للبرميل، واستقرت عند هذا السعر تقريبا حتى عام 1970م ومن حين لآخر، يختال أسعار النفط موجات من الهبوط والارتفاع متماثلة ومتفاعلةً مع عوامل في الغالب خارجة عن إرادة دولة ما أو مجموعة من الدول كالنزاعات العسكرية أو الأزمات السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو حتى اضطرابات مناخيه تؤثر في الإمدادات النفطية أو مشكلات تقنية تؤدي في مجملها أو منفردة لقلة المعروض من النفط، وتخلق بين الحين والآخر قلاقل بشأن استمرار تدفق المعروض في الأسواق ما يزيد طلب الدول المستهلكة احترازيا في تلك الأحوال لتعزيز مخزوناتها النفطية ما يضغط على المعروض وينتج عن ذلك ارتفاع في الأسعار. وبزوال الأزمات تلك ترتفع المعروضات وتزول الضغوطات على الطلب وتعود موجة الأسعار إلى الهبوط وإلى وضعها قبل الأزمة. وباستثناء تلك الأزمات العاصفة بأسعار النفط، كحرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973م، والثورة الإيرانية 1979م، والحرب العراقية الإيرانية 1980م، وغزو العراق للكويت 1991م، يبين التحليل التاريخي لأسعار النفط أنه منذ نشأة "أوبك" فإن موجات الصعود في أسعار البترول التي كانت تشهدها أسواق النفط العالمية وتتسبب في إرباك آليات العرض والطلب ترجع إلى أحد العوامل أو تضافر جملة من العوامل التي لا تتحكم فيها المنظمة. وباستثناء تلك الأزمات العاصفة بأسعار النفط لم يطرأ نمو فعلي على أسعار النفط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى بداية الألفية (1948م-1999م) ولم تبدأ موجة الارتفاعات في الأسعار إلا بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) ثم الحرب على أفغانستان تلته الحرب على العراق واحتلاله أي أنه منذ مطلع الألفية من العقد الحالي وبالتحديد في نهاية عام 2001م كان سعر البرميل أقل من 20 دولارا ثم تضاعف سعره بنسبة 100 في المائة على أثر الحرب على العراق ووصل في عام 2004م إلى 41 دولارا. واستمرت موجة الصعود في الأسعار التي بدأت على أثر الحرب العراقية مروراً بإعصار كاترينا 2005م في المنطقة النفطية في خليج المكسيك، حينما تجاوز سعر البرميل سبعين دولارا، وكذلك الأزمة النووية الكورية والإيرانية والحرب الإسرائيلية على لبنان في 2006م ثم الأزمة على الحدود التركية العراقية، التي كسرت حاجز الـ90 دولاراً للبرميل في نهاية عام 2007م، ولامس سعر البرميل عتبة المائة دولار في بداية عام 2008م. وفي آذار (مارس) 2008م عاود البرميل ارتفاعه في ظل استمرار تراجع قيمة الدولار، وبلغ 111 دولارا. ثم تراجع إلى ما دون مئة دولار مع نهاية الشهر، ثم ارتفع في شهر نيسان (أبريل) من هذه السنة ليبلغ 119 دولارا، وفي أيار (مايو) 2008 وبعد تراجع مؤقت عاودت أسعار النفط ارتفاعها وتجاوزت عتبة 120 دولارا في 5 أيار (مايو)، ثم عتبتي 121 و122 دولارا في السادس منه، ثم عتبة 123 دولارا في السابع منه، ثم عتبة 124 دولارا في الثامن منه، قبل أن يتجاوز عتبتي 125 و126 دولارا في التاسع منه، واستمر في الارتفاع لكل يوم من شهر أيار (مايو) إلى أن تجاوز للمرة الأولى على الإطلاق المائة وتسعة وثلاثين دولاراً في بداية شهر حزيران (يونيو) من هذا العام وبارتفاع تجاوز أحد عشر دولارا في يوم واحد فقط.


حفظ طباعة تعليق إرسال
مواضيع ذات علاقة

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الاقتصادية ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر. علماً أننا لا ننشر التعليقات بغير اللغة العربية.

لا يوجد تعليقات

التعليق مقفل