تسجيل الدخول كلمة المرور
مستخدم جديد
الثلاثاء old هـ. الموافق 06 مايو 2008 العدد 5321  
انت الآن تتصفح عدد من الارشيف, نشر قبل 684 يوم . عودة لعدد اليوم
طباعة طباعة
انشر الخبر في الفيس بوك انشر الخبر في تويتر حفظ ارسل لصديق طباعة علق


عندما بكى نيتشه



حتى السينما حين يحضرها تتحول إلى منبر لمقولاته المثيرة للجدل، ففي فيلم " عندما بكى نيتشه " المأخوذ عن رواية بنفس العنوان لأيرفرن يالوم، تستحوذ (أفورزماته) الشهيرة على (أحاريك) الفيلم الفنية والموضوعية، حيث تتردد كإيقاعات كلامية ساحرة على خلفية سينماتوغرافية بديعة، لتصد بغموضها الفلسفي تسجيلية الوثيقة التاريخية، حتى الطريقة النفسية المستحدثة المعروفة بالتداعي الحر، التي كانت حركة علاجية واعدة آنذاك، والتي أرادها المخرج بينكاس بيري محوراً للقصة، تضاءلت كموضوع أمام سطوة حضوره، فالفيلم مستخلص من مقولته الفلسفية " الحياة امرأة " وبمنسوب أقل من جدلية الحب والصداقة.

وباختصار، يسلط الفيلم الضوء على مأزق عاشقين إشكاليين أواخر القرن التاسع عشر في فيينا، حيث تتقدم الشاعرة الروسية الفاتنة لويس فان سلومي إلى الدكتور جوزيف بيريور بطلب شخصي واستثنائي لإنقاذ فريدرك نيتشه من ميوله المرضية الحادة للانتحار نتيجة رفضها الاقتران به، وإيماناً منها بعبقريته وثوريته كمفكر، وضرورة إبقائه على قيد الحياة خدمة للإنسانية، لكنه يتردد في الإستجابة لطلبها إذ تحرضه سكرتيرته فراو بيكر على الرفض وتعطيل المهمة، حتى يوافق في نهاية المطاف على القيام بالمهمة بعد اطلاعه على كتب نيتشه ووقوعه تحت تأثير جاذبية أفكاره، وسيطرة مقولاته.

وبسبب فقر نيتشه، وعدم قدرته على دفع تكاليف العلاج يولي الأمر إلى تلميذه الشاب الطموح سيغموند فرويد مع احتفاظه بالإشراف على حالة مريضه بدون علمه. ومع مرور الوقت يكتشف ما يجمعهما من أعراض العشق الفلسفي للمرأة، حيث تنتابه نوبات من التوتر والكوابيس والقلق الغامضة نتيجة علاقته العاطفية الخائبة مع مريضته السابقة بيرثا، وحينها يتأكد ألا مجال لمداواته إلا بإخضاع ذاته هو الآخر لذات العلاج القائم على التداعي الحر لمواجهة نفسه بهواجسه ومخاوفه المزمنة، أو هكذا يحاول المخرج تقديم صورة عن قرب لنخبة اجتماعية ذات نكهة ثقافية تأسست علاقاتها على الاحترام المتبادل والتحاور في حقبة تاريخية استثنائية، لتبقى معضلة الكيفية التي يمكن من خلالها ترجمة تلك العبقريات إلى الشاشة، فاللهجة الفلسفية المفتعلة - مثلاً - هبطت بذلك الشريط البصري إلى مستوى المرافعة الكلامية.

وبموجب إدراكه العميق بخطورة حالته العاطفية، وأن الحياة بدون المرأة لا يمكن أن تحفل بالألوان، ولا تتمظهر إلا بلون أحادي قاتم، يرتد الدكتور بريور إلى داخل عقله الباطن في رحلة وعرة عصبياً، محقونة بجرعات هائلة من الأفكار والمفاهيم الجدلية، ويضع ذاته بكل تجرد تحت طائلة التشريح النتشوي. وعلى إثر ذلك التجادل الحاد مع ذاته تتحول أسرته إلى عبء نفسي، كما يغترب عن زوجته، ويفر من أهله إلى حبيبته بيرثا بذريعة أنه لا يمتلك إلا حياة واحدة ولا بد أن يعيشها كما يريد، بعد أن استشعر نشوة الحب الموجبة لقتل مخاوفه واحترازاته، لكنه يفاجأ بوجودها مع حبيبها الشاب تتودده بذات العبارات التي خاطبته بها لحظتة افتراقهما، الأمر الذي يصيبه بالخيبة ليتراجع عما اعتقده حياة عاطفية مثالية، ويعود مصدوماً ومستكيناً إلى أسرته على إيقاع تحليلات فرويد النفسية، وعبارات نيتشه الصادمة، الخبير بمراوغات النفس البشرية وانزلاقاتها الشعورية واللا شعورية.

وفيما بدا الدكتور بريور في آخر الفيلم حكيماً معافى وكأنه قد تخطى أزمة منتصف العمر، ووساوس الانغرام الاستيهامي بالمرأة، ظهر نيتشه وكأنه قد شفي تماماً من جنونه وميوله للانتحار، مدركاً أن الانعزال في نهاية المطاف لا يولّد إلا المزيد من العزلة، متلذذاً بترديد عبارة " نحن أصدقاء .. أحب أن أكررها ". وقد بات أكثر استعداداً لبدء مرحلة أكثر استقراراً واتزاناً. حيث قرر مغادرة فيينا والتفرغ لإنهاء رائعته " هكذا تكلم زرادشت ". لكن الفيلم يستبطن خطاباً أكثر تراجيدية، فقد حرّضه الدكتور بريور من خلال طقس اعترافي تطهيري على الاعتراف بأن المرأة التي طالما وصفها بلعبة الرجل، لم تخرج منه أبداً، خصوصاً عندما بكى أمامه بدموع سخية لم يذرفها في حياته - حسب اعترافه - إلا بعد أن فتح صديقه/طبيبه بيريور الباب، فسأله عما يمكن أن تقوله الدموع لو نطقت، وحينها استدعى لحظة ركوعه عند قدمي سلومي التي أدّت هي الأخرى دوراً تضحوياً لإنقاذه، متوسلاً إياها أن تقبله زوجاً، وكأنه يقر بالمقابل بأن الرجل أيضا هو لعبة المرأة بقدر ما هي أخطر لعبة يمكن أن يلعبها الرجل.

لم يتحرر الفيلم من مقولاته. ويبدو أنه أراد التأكيد على أن نيتشه هو ضحية اعتقاداته، فمن يؤمن بأن المرأة الحقيقية الفائضة بالمشاعر تفتت الرجل عندما تحبه، لا بد أن يختلط حبه بشيء من الجنون. ومن يحدق في جهنم، حسب مقولته الشهيرة، ترد عليه جهنم بتحديق مضاد، يودي به في هاوية أشد وأمضى. والهاوية هنا ليست سوى المرأة، التي طالما وصمها بالزيف والهشاشة والخداع التي أوهنته لفرط تعلقه بها، وأجبرته على البكاء في نهاية الأمر. وهكذا تهاوى المتغطرس نيتشه عند قدمي امرأة وبكى بحرقة وذل العاشق بعد أن صار لعبتها، وكأنه قد تخلى عن نصيحته الفارطة في الذكورية لصديقه بألا يذهب إلى المرأة إلا ومعه الكرباج.

www.m-alabbas.com

m_alabbas@hotmail.com

عدد القراءات: 216
طباعة طباعة
انشر الخبر في الفيس بوك انشر الخبر في تويتر حفظ ارسل لصديق طباعة علق



لا يوجد تعليقات


  • اضف تعليق
  • ارسل لصديق
التعليق مقفل
اسم المرسل بريد المرسل
بريد المستقبل (يمكن اضافة اكثر من عنوان بريدي، مفصولة في ما بينها بمسافة او فاصلة)
تعليق