القلق يساور الأوروبيين من عدوى الحمى الأمريكية
كان هذا هو الأسبوع الذي انتشرت فيه أخيراً الأزمة المالية وتأثيرات فقاعتها من القطاع البنكي وترددت أصداؤها عبر سائر أوروبا المؤسسية. فقد أطلقت كل من "سيمنز" وميتشلان، وهما اثنتان من أكبر الأسماء غير المالية في القارة، إشارات تحذير مبكرة ليس فقط من أن الشركات الأوروبية تشعر بتأثير الأزمة في مرافقها الأمريكية، بل تواجه الأثر عند عتبات أبوابها.
قال بيتر لوشير، الرئيس التنفيذي لـ "سيمنز"، وهي أكبر مجموعة هندسية في أوروبا: "ما نشهده هو أول علامات انزلاق النمو، وهذا واضح في مرفق منتجاتنا الأنموذجية في ألمانيا".
من جانبه قال ميشيل رولير، المدير العام المشارك لشركة ميتشلان: "إننا نشهد خطر إمكانية انتشار الأزمة الأمريكية في أوروبا. إننا نشهد بالفعل تباطؤا في بعض أنحاء أوروبا الغربية".
الأيام السمان لا تزال قائمة في أوروبا، مع تسجيل شركات كثيرة نتائج قياسية، لكن عدداً قليلاً من التنفيذيين لديهم ثقة في قدرة القارة على الخروج سليمة من الأزمة المالية، في ضوء تأثير متزايد متوقع خلال السنة المقبلة. وإذا أضيفت هواجس ذات علاقة، مثل اليورو القوي وأسعار المواد الخام العالية، فإن ذلك يوحي بأن البيئة أخذت تصبح أقسى أمام الشركات الأوروبية.
وذلك يعني على الصعيد العالمي أن الشركات الأوروبية بدأت تبتلى بكثير من المشكلات التي أثرت في الشركات الأمريكية منذ العام الماضي، بينما تظل أيضاً غير متأثرة إلى حد كبير.
والأزمة الائتمانية التي كان ينظر إليها في البدء على أنها مجرد مسألة مالية ذات تبعات محدودة على بقية الاقتصاد الأمريكي، أصبحت آثارها تتسع باستمرار وباتت الآن تطوق قطاعات متباينة مثل الصناعة الدوائية وصناعة البناء. وبالاقتران مع تباطؤ اقتصادي شديد وثقة متلاشية لدى المستهلكين وواحدة من أسوأ حالات الهبوط في الإسكان في الذاكرة الحديثة، فإن الاضطراب يصيب الآن عدداً كبيراً من الشركات الأمريكية.
ويمكن رؤية الصورة الواهنة لأوروبا في العدد الكبير من نتائج الربع الأول في الأسابيع الأخيرة. فمن بين أكبر 600 شركة في أوروبا (كثير من الشركات البريطانية تعلن عن نتائجها كل نصف سنة فقط) أعلنت 142 شركة عن نتائجها وكانت 34 منها ذات نتائج سلبية، بينما تجاوزت 19 شركة فقط التوقعات، وفقاً لـ "آي. إن. جي. فاينانشيال ماركتس". وهذا يعد "مؤشرا مفاجئا" من ناقص 10.6 في المائة حتى الآن. وهذا كما يقول جاريت وليامز، وهو استراتيجي أسهم أوروبي في آي. إن. جي: "أسوأ عام منذ 2003".
ويوافق الجميع تقريباً على أن الأسوأ قادم. يقول لوشير إن الاقتصاد الحقيقي في أوروبا لا بد أن يلمس التأثير الكامل للأزمة في الأشهر الستة إلى الاثني عشر المقبلة.
ويقول وليامز: "أعتقد أننا سنشهد في وقت لاحق من هذه السنة المزيد من الضغط، من خلال أمور مثل العملة والائتمان وأسعار النفط".
وأطلقت عدة شركات تحذيرات تتعلق بالأرباح، أو شيئاً من هذا القبيل، بسبب أعمالها في الولايات المتحدة. وتحملت شركة بي إم دبليو لصناعة السيارات 236 مليون يورو بعدما ضربت الديون المعدومة المتزايدة وانخفاض أسعار السيارات المستعملة نشاط تأجير السيارات في الولايات المتحدة.
وحسب نوربرت ريتهوفر، الرئيس التنفيذي لشركة بي إم دبليو، الشركات الأوروبية، مثل كل شركة أخرى في كل أنحاء العالم، استهانت بالمشكلة لكنها الآن تلمس التأثيرات. وقال: "لم تكن أزمة القروض عديمة الملاءة على شاشة رادارنا قبل سنة، لكن أموراً كثيرة، مثل سعر صرف اليورو مقابل الدولار والعلاقة بين اليورو والين، تتحرك الآن في علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالأزمة المالية".
ووفقا لـ "آي. إن. جي"، شركات الإعلام والتكنولوجيا الأوروبية هي الأسوأ أداء حتى الآن، بينما حققت شركات الأدوية ومرافق الخدمات نتائج إيجابية مدهشة في أغلب الأحيان.
ويظل كثير من الشركات الصناعية في أوروبا متفائلا بسبب وجودها القوي في الأسواق الناشئة، مثل الصين والهند. وهذا يتناقض مع معظم الشركات الأمريكية التي تعتمد على نحو أكبر على سوقها المحلية.
وكما يقول صناعي أوروبي بارز: "الشركات الأوروبية متوازنة في انتشارها الإقليمي بشكل أفضل من الشركات الأمريكية. نحن أقل اعتماداً على أوروبا من اعتمادها على أمريكا".
وبحسب لوشير، إذا كان التراجع الأمريكي قصير الأمد فإن على كثير من الشركات الأوروبية أن تظل مبتهجة. لكن من في حال كان هناك ركود أمريكي أعمق مما هو متوقع "سيكون له تأثير في النمو في آسيا".
والصورة في الولايات المتحدة أكثر تشاؤماً، إذ أصابت الأزمة ليس فقط القطاعات الواضحة مثل بناء المساكن، الإنشاءات، الشركات المالية، وشركات السلع الاستهلاكية، بل أصابت أيضا أرباح الشركات التي كانت تعتبر ذات يوم "محصنة ضد الركود".
فحتى عملاقا مثل جنرال إليكتريك، وهي مجموعة ضخمة تحقق أكثر من نصف مبيعاتها خارج الولايات المتحدة، صدمت المحللين هذا الشهر بخبر مفاده أن المستهلك الأمريكي المتوعك والمشكلات المستمرة في أسواق الائتمان أدت إلى تخفيض أرباح الربع الأول إلى ما دون توقعات وول ستريت.
وأزمة الائتمان جعلت وجودها ملموساً بطرق أكثر غموضاً، أو بشكل غير متوقع. ففي شباط (فبراير) تحدثت شركة صناعة الأدوية "بريستول مايرز سكويب" عن شطب 27.5 مليون دولار من استثمارها ـ الذي لم يكن يعرف عنه الكثير ـ في "مزاد أسعار الأوراق المالية" وهو واحد من كثير من الأسواق التي توقفت نتيجة المتاعب الحالية.






لا يوجد تعليقات