الموضوع النووي السوري الغريب
منذ خمس سنوات بالضبط، قدم وزير الخارجية الأمريكي، كولين باول، أكثر من 20 دليلاً مزعوماً لمجلس الأمن الدولي عن امتلاك العراق أسلحة دمار شامل. وفي خضم الاستعدادات للحرب، وجد العديدون أن ذلك الأداء يدعو للإعجاب. لكن ثبت فيما بعد أن جميع التأكيدات التي قدمها باول لم تكن تستند إلى أي أساس. ولعله عرض على العالم لعبة فيديو.
ولم يمض وقت طويل على ذلك، حتى بدأت إسرائيل تقديم الأدلة التي كشف عنها جواسيسها على أن صدام حسين نقل أسلحة الدمار الشامل التي كانت لديه إلى سورية. وبعض الجهات صدقت ذلك، لكن لم يسمع أحد أكثر من ذلك عن هذه الخرافة.
الاستعراض الذي قدمته وكالة الاستخبارات المركزية للكونغرس يوم الخميس، والذي يقيم الدليل على أن كوريا الشمالية زودت سورية بمفاعل نووي قادر على إنتاج البلوتونيوم الذي يستخدم في صنع الأسلحة النووية، كان مثيراً للإعجاب بدوره. ويبدو أنه يبرر أيضاً الغارة الجوية التي شنتها إسرائيل على الموقع الكائن في الصحراء السورية الشرقية في شهر أيلول (سبتمبر) الماضي.
وإذا أخذ الزعم الأمريكي على عواهنه، فإننا نجد أنه يثير العديد من التساؤلات. من أين كانت سورية ستحصل على الوقود القابل للانشطار لهذا المفاعل؟ أين كان جهاز فصل البلوتونيوم، أو مرفق إعادة معالجة الوقود المستهلك؟ أين الدليل على وجود برنامج لصنع الأسلحة النووية؟ لماذا أيضاً تجاوزت الولايات المتحدة (والقوات الجوية الإسرائيلية) الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي جهاز الرقابة التابع للأمم المتحدة؟
لا شيء من هذا يعني أننا يجب أن نثق بالسوريين. فما قالوه يزيد قليلاً عما قالته إسرائيل - التي ترفض التعليق على الموضوع - زيادة على زعمهم أن الموقع كان مستودعاً عسكرياً. إن نظام بشار الأسد غير جدير بالثقة. ولدمشق سجل طويل من محاولة تحقيق أهدافها عبر وكلائها الذين يمارسون العنف كحزب الله وحماس، ولها سجل حافل في قتل معارضيها، خاصة في لبنان.
أما دفاعها المعتاد "هل تعتقدون أننا أغبياء لتلك الدرجة؟" فيمكن الإجابة عليه بالإيجاب بعد أن سمحت الحكومة بإقامة مركز لتجنيد المتطوعين للقتال في العراق على بعد ياردات فقط من السفارة الأمريكية في دمشق عام 2003. لكن ذلك لا يعني أن هذه المزاعم بالذات صحيحة.
إن هذا الشأن أمر غريب. ذلك أن قرار وكالة الاستخبارات الأمريكية الحديث علانية عنه في الوقت الراهن يعيد بيونجيانج إلى الزاوية في لحظة حرجة من محادثات الدول الست حول نزع أسلحة كوريا الشمالية النووية، ما يجعل البعض يعتقد أن يد الصقور في إدارة بوش، مثل ديك تشيني، تقف وراءه.
لكن ذلك يأتي أيضا في أعقاب اغتيال القيادي في حزب الله (وعميل المخابرات الإيرانية) عماد مغنية في دمشق. ويمكن تفسير الضربة الجوية الإسرائيلية أيضاً بمثابة تحذير لإيران بضرورة التوقف عن تدخلها في الشأن الإقليمي وعن طموحاتها النووية – وربما كانت تهدف إلى إخافة دمشق من عواقب تحالفها مع طهران. إن عرض شريط فيديو واحد في واشنطن لا يلقي الضوء على الموضوع بسبب الضباب الإقليمي. لكنه ينبغي أن يذكرنا بأن هناك كميات كبيرة من المواد سريعة الاشتعال لكل من يعبث بالكبريت.






لا يوجد تعليقات