تسجيل دخول
نسيت كلمة المرور |  مستخدم جديد
 
الأحد old هـ. الموافق 13 إبريل 2008 العدد 5298
آخر الأخبار
انت الآن تتصفح عدد من الارشيف, نشر قبل 2392 يوم . عودة لعدد اليوم

البيئة التنافسية... هل التقنية تصنع الفرق؟!

د. عدنان بن عبد الله الشيحة

aashiha@yahoo.com

هذا هو السؤال الذي حاول كريغ باريت رئيس مجلس إدارة "إنتل" العالمية ورئيس مجلس إدارة الاتحاد الدولي لتقنيات المعلومات الإجابة عنه في محاضرته ضمن سلسلة المتحدث الدولي بمبادرة ورعاية من جريدة "الاقتصادية". وهي مبادرة مقدرة كونها تصب في خدمة مجتمع الأعمال بشكل خاص والمجتمع بشكل عام، تعكس التوجه الذي اختطه الدكتور فيصل بن سلمان رئيس المجموعة السعودية للأبحاث والنشر في أن يكون للمجموعة دور اجتماعي فاعل في تطوير بيئة الأعمال عبر عدد من المبادرات كان آخرها جائزة أفضل عشر شركات سعودية. والحقيقة أن حسن التنظيم وإدارة اللقاء من المتألق الأخ الأستاذ عبد الوهاب الفايز رئيس تحرير "الاقتصادية" الذي يعمل بصمت ولكن تجد لمساته في كل مكان, كان له أكبر الأثر في إنجاح الملتقى. كان لا بد من ذكر ذلك ليس من باب المجاملة ولكن لأن من لديهم دافعية عالية نحو الإنجاز يحتاجون إلى معلومات مرتدة تقيس إنجازهم وتعرفهم إلى أي مدى تم تحقيق الأهداف والتوقعات. كما أن حسن التنظيم يعكس صورة حضارية عن المجتمع السعودي، وهو بلا شك يعود بالنفع على كل من ينتمي إلى هذا البلد الطيب. المحاضرة تخللها بعض النماذج الوطنية في الإبداع والابتكار وتوظيف التقنية في مجالاتهم، وهو ما أثرى النقاش وأضفى على الحوار الجانب التطبيقي المحلي، وهذا ما نحتاج إليه عند الحديث عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية من واقعية الطرح وحلول ومعالجات قابلة للتطبيق مبنية على تجارب سابقة ومعرفة تراكمية. المقال يستعرض أهم نقاط المحاضرة مع تعليقات وطروحات من كاتب المقال، وبالتالي فهو لا يعبر بالضرورة بشكل كامل عن رأي باريت.

محاضرة باريت كانت بأسلوب شائق وماتع ومفيد وبسيط. بدأ المحاضرة بالإشارة إلى ثلاثة عناصر مهمة للتغيير والتطوير, هي: نظام للتعليم يشجع على الابتكار والإبداع وقيم العمل، البحث والتطوير في الصناعة وتحقيق قيمة اقتصادية مضافة، وأخيرا بيئة تنافسية تستند إلى قيم الشفافية والبحث عن الأفضل وتهيئ الفرصة للإبداع والابتكار. هذه العناصر لا تخفى على أحد - على حد قوله - فجميع المجتمعات على دراية بها، التفاوت بين الأمم هو في التطبيق ومدى القدرة على تحويل هذه العناصر إلى واقع ملموس والاستفادة منها في عملية التنمية والتقدم الصناعي. بل إن هذه العناصر نحتاج إليها لمواجهة التغيرات والتحديات، فهناك تغيرات كثيرة تعصف بالعالم وتتطلب القدرة على احتوائها والتعامل معها بحكمة وإدارتها بطريقة تكون لصالح المجتمع. إن من أهم تلك التغيرات التقدم التقني في الاتصالات الذي ألغى أهمية الجغرافيا والبعد المكاني ليتحول العالم إلى قرية صغيرة تتداخل فيها المجتمعات اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وتتشابك فيها المصالح، ولم يعد في إمكان أي مجتمع أن يعيش بمعزل عن هذه التغيرات, فما يحدث في بلد ما يؤثر في البلدان الأخرى.

التقنية أصبحت نمط الحياة وجزءا لا يتجزأ من الروتين اليومي للناس. فحسب الإحصائيات التي أوردها باريت فإن ما يقارب من 80 في المائة من سكان السعودية يستخدمون الهواتف النقالة, هذا إضافة إلى وسائل تقنية الاتصال الأخرى مثل الشبكة العالمية (الإنترنت). هذا الزخم الكبير من التقنية يؤثر في كيفية إدارة الأعمال, وكان لا بد من استيعاب ذلك للاستفادة قدر المستطاع من التقنية في رفع مستوى التنافس في بيئة الأعمال والاقتصاد بشكل عام. وهنا لفت باريت الانتباه إلى أمر في غاية الأهمية وهو ليس المهم الحصول على التقنية الأهم هو استخدامها بفاعلية وتطويعها في رفع مستوى الأداء والإنتاجية. إنه استخدام التقنية بذكاء وحكمة وأن تحقق مقاصدها ـ على حد تعبيره، الشرط الأساس في النجاح. وللتدليل على ذلك استعرض عدة تجارب ناجحة وظفت التقنية وحققت أداء متميزا كما حدث في أحد مصانع السيارات الكبيرة في الولايات المتحدة حينما استخدم التصميم الافتراضي في تصميم سيارة لاقت رواجا، وكذلك في معالجة أمراض القلب كما في المكسيك، وفي مجال التعليم في ألمانيا وغيرها من التجارب التي تشير إلى أن التقنية تصنع الفرق.

إن التغيرات البيئية تفرض تحديا كبيرا على جميع الدول المتقدمة والنامية على حد سواء. ولمواجهة هذا التحدي ينبغي البحث عن آلية تولد الأفكار وتطورها وتطبقها، آلية تجمع الأذكياء ذوي الأفكار الذكية في مكان واحد وتمنحهم الفرصة لإظهار إمكاناتهم وقدراتهم الإبداعية. هذه الأفكار والحلول المطروحة يجب الاستفادة منها وتطبيقها عمليا, فهي التي تصنع الفرق ولا تقدر بثمن. وفي الوقت ذاته خلق فرص عمل جديدة من خلال هيكل اقتصادي يعتمد على التقنية. إن العبرة ليست في زيادة عدد الوظائف وحسب، ولكن في وظائف تمنح أجورا عالية ولا سبيل إلى ذلك إلا برفع إنتاجية الأفراد، وهذا بالضبط ما تفعله التقنية. أمر آخر على قدر كبير من الأهمية تسهم في مواجهة التحديات البيئية, وهو تقاسم المسؤولية بين القطاعين العام والخاص، فالحكومة تقوم بوضع السياسات والإجراءات النظامية التي تقنن بيئة العمل لتطبيقات التقنية، بينما يتولى قطاع الأعمال عملية التغيير ويحدد طبيعته واتجاهه والمطلوب عمله.

لقد تحدث باريت عن أربعة مخرجات لعملية تطبيق التقنية وأهدافها وهي: تطوير التعليم، تحسين الخدمات الصحية، تحقيق التنمية الاقتصادية ، وكفاءة الاتصالات. وهذه جميعها تتطلب أن تكون التقنية متاحة لجميع المواطنين بتوفير أجهزة الحاسوب ونظم الاتصال وجعلها في متناول جميع فئات المجتمع على اختلاف مستوياتهم الاقتصادية. وقد يكون استخدام نظام الاتصال عبر الموجة الطويلة Broad Band أحد الحلول الفاعلة في هذا المجال, خاصة في المناطق النائية التي لا تتوافر فيها التمديدات النحاسية أو الألياف البصرية . تحدث أيضا عن المحتوى وأهمية إنشاء قاعدة بيانات في اللغة المحلية، وأشار في هذا الصدد إلى ضعف اللغة العربية في هذا المجال، ودلل على ذلك بأن ماليزيا لديها من المحتويات بلغتها الأم ضعف ما لدى السعودية، بل إن العالم العربي الذي يمثل 5 في المائة من مجموع سكان الأرض لا تمثل البيانات باللغة العربية سوى 1 في المائة من المحتويات. إن استخدام التقنية بذكاء يقتضي توظيفها في تعليم الصغار, وهذا بطبيعة الحال يتطلب معلمين قادرين على ذلك. لقد أصبح واضحا وجليا أن الأفكار الإبداعية أهم من رأس المال والثروة، ولا أدل على ذلك من التحدي الذي تواجهه شركة مايكروسوفت العملاقة من بعض الباحثين الشبان في الجامعات، على سبيل المثال "جوجل" Google، "ياهو" Yahoo, و"نت سكيب" Netscape، جميعها منتجات في تقنية المعلومات والاتصال خرجت من طلاب الدراسات العليا وبمجهودات بسيطة, لكنها دون شك أفكار غيرت العالم.

إن تحسين التعليم خاصة في مرحلتي رياض الأطفال والابتدائية يمثل ركنا أساسيا في الانطلاق في المشروع التنموي. في الصين والهند على سبيل المثال هناك مساع حثيثة في هذا الاتجاه, فقد بدأتا برنامجا للبحث عن الطلبة المتميزين ورعايتهم عبر برامج متخصصة. لقد تقدم ما يقارب 60 ألف طالب صيني للحصول على هذه الفرصة, وهذا رقم كبير حتى في الصين ذات الحجم السكاني الكبير.

وخلص باريت في حديثه عن أهم ما يجب عمله لخلق بيئة تنافسية. أولا، بناء القدرات والإمكانات والعمل على تطوير القاعدة الاقتصادية وتوثيق التجارب والمعرفة التراكمية للوصول إلى التخصصية والتميز في مجال معين ومحدد، وذكر التجربة الناجحة للسعودية في قطاع البتروكيماويات كمثال جيد لذلك. الأمر الثاني، الاستثمار في المستقبل, أي الانتقال من مجتمع استهلاكي إلى مجتمع استثماري وتحقيق التنمية المستدامة التي تحافظ على الموارد الطبيعية وفي الوقت ذاته توظفها بطريقة تضيف للاقتصاد ونموه بشكل متطور ومستمر. ثالثا: التعاون بين القطاعين العام والخاص, وأنه لا يمكن تحقيق تنمية حقيقية دون هذه الشراكة والتعاون في إنجاز المشرو ع التنموي. الأمر الأخير، ولكن الأهم، إدراك أن المعرفة أهم المصادر الطبيعية وأنه سر التميز بين المجتمعات وجوهر التنافس بينها.

وكنت قد سألت باريت في ختام محاضرته سؤالا جاء فيه: إذا كانت الفكرة الأساسية في حديثك هي إحداث التغيير المطلوب ونقلة نوعية في تطبيق التقنية، فكيف للاقتصاد السعودي التحول من النظام البيروقراطي إلى اقتصاد رقمي ومعرفي؟ وهل تسبق التقنية بيئة العمل المناسبة أم يجب تهيئة البيئة أولا ثم يتبعها تطبيق للتقنية؟ وكان جوابه في أن التعليم يمثل الركن الأساسي، وقد يكون تطوير الجامعات لتكون قادرة على تخريج طلاب أذكياء بأفكار ذكية هو ما يلزم عمله. وهنا أقول وعلى الرغم من الحديث الثري لباريت وعمق معرفته وتجربته ومع تأييدي معظم الأفكار التي طرحها إلا أنه ـ في رأيي ـ لا يكفي تخريج طلاب أذكياء لا يستطيعون تطبيق أفكارهم في نظام إداري بيروقراطي بطيء ما زالت تذيل فيه الخطابات بعبارات مثل "لعمل اللازم" و"حسب النظام" دون أن يعلم أحد لذلك معنى أو مقصدا! إنه العمل بوعي ومعرفة وإخلاص وتطبيق للقانون هو سر النجاح في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.


حفظ طباعة تعليق إرسال
مواضيع ذات علاقة

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الاقتصادية ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر. علماً أننا لا ننشر التعليقات بغير اللغة العربية.

لا يوجد تعليقات

التعليق مقفل

السيرة الذاتية

أستاذ الأدارة العامة كلية إدارة الأعمال قسم الإدارة العامة

dr.alshiha@gmail.com aadnan@ksu.edu.sa

خلاصات الــ RSS

أرشيف المقالات

ابحث في مقالات د. عدنان بن عبد الله الشيحة