مشروع عام 50 لتبريد الأرض
على اليابان أن تضع لها هدفاً أعلى من "ضوء كيوتو"
سألت في إحدى المرات وزيرة البيئة اليابانية حول كيف ترى أن اليابان يمكن أن تفي بالتزاماتها بموجب بروتوكول كيوتو. واشتملت إجابتها – التي كانت طويلة و متشعبة، كما أذكر – على شيء اسمه فيروشيكي، وهو قماش ياباني تقليدي ورمز لكراهية اليابان للمخلفات، يستخدم في حمل المشتريات إلى المنزل بدلاً من كيس البلاستيك.
هذه ادعاءات كبيرة جداً لمادة صغيرة، بصرف النظر عن مدى قابليتها لإعادة التصنيع أو الديكور الجذاب. بموجب "كيوتو"، فإن اليابان تعهدت بخفض انبعاثات الكربون فيها بنسبة 6 في المائة من المستويات التي كانت عليها في عام 1990. ولكن الانبعاثات الحالية تفوق ذلك بنسبة 8 في المائة. وباستثناء إقحام فيروشيكي في سحب الدخان المنبعثة من أكبر جهة صناعية تتسبب في التلوث، يصعب أن نرى أن تطبيقه سيؤدي إلى إحراز قدر كبير من التقدم في انبعاثات الغازات في اليابان.
استهداف الأسر اليابانية من شأنه أن يخطئ الهدف الحقيقي. فالقطاع الصناعي الياباني يسهم بنحو 34 في المائة من الانبعاثات المباشرة كما تضيف شركات الطاقة كمية أخرى من الانبعاثات تبلغ 30 في المائة.
إذا كانت اليابان لا تستطيع أن تقدم أي شيء جاد – سوى سد بعض الثغرات من خلال شراء تصاريح الكربون- فإن ذلك يقضي على طموحاتها في أن تصبح في طليعة المحاربين لتغير المناخ. وخلافاً لما تطمح له بأن يكون لها حضور عسكري دولي أكبر، مما يثير الشكوك وسط الجيران، فإن تغير المناخ هو قضية تستطيع اليابان بسهولة أن تلعب فيها دوراً حاسماً بدرجة أكبر.
إن طوكيو تضع نفسها كجسر للربط بين المواقف المتباعدة، المتمثلة في موقف أوروبا التي تساند تطبيق نظام ملزم لحظر وتجارة الغازات، و موقف الولايات المتحدة، والجهات التي تسهم بالقدر الأكبر من الانبعاثات في دول العالم النامية، وهو أمر لا يمكن أن يوصف بأنه غير قابل للتصديق تماماً. وهي تجادل بالقول، ويحالفها الصواب في ذلك، بأننا إذا كنا نريد لإطار ما بعد اتفاقية كيوتو أن يكون له أي معنى، فيجب أن يضم الولايات المتحدة، الصين و الهند، التي تمثل أول، ثاني وخامس كبرى الدول في العالم التي تتسبب في التلوث على التوالي. (اليابان تسللت إلى المركز الرابع).
وتريد طوكيو أن تستخدم رئاستها لمجموعة الدول الثماني الصناعية الكبرى هذا العام لممارسة الضغط من أجل وضع إطار يكون عملياً بدرجة أكبر ليحل محل إتفاقية كيوتو عندما تنتهي مدتها في عام 2013. هذه العملية طرحها العام الماضي رئيس الوزراء شينزو آبي الذي لم يمكث طويلاً والتي حملت عنواناً جذاباً هو مشروع عام 50 لتبريد الأرض - إذا كان موطئ أقدام اليابان فيما يتعلق بالكربون خفيفاً مثل موطئ أقدام السياسية. و تضمن ذلك وضع هدف لخفض انبعاثات الكربون عالمياً إلى النصف بحلول عام 2050 مما يجعل تقنية توفير الطاقة قبلة الأنظار. وهي تقنية برعت فيها اليابان.
مع ذلك، فإن مشروع عام 50 لتبريد الأرض أكثر قليلاً من "ضوء كيوتو"، بعد تجريده من الأهداف الإلزامية التي جعلت البروتوكول جديراً بالاهتمام. و تقف خلف هذا التراجع المرارة التي يحس بها القطاع الصناعي في اليابان، الذي شعر بأنه تعرض للغدر من خلال التعهدات التي قدمها ساسته في "كيوتو". حيث يقول هذا القطاع إن وضع أهداف طموحة بهذا القدر لخفض الكربون، لم تأخذ في الاعتبار الخطوات العملاقة التي قطعها هذا القطاع في المحافظة على الطاقة وهي الخطوات التي نفذها القطاع سلفاً بعد صدمات النفط التي حدثت في السبيعينيات من القرن الماضي. فعندما حل عام 1990، وهو عام الأساس لاتفاقية كيوتو، كانت اليابان متفوقة سلفاً في هذا المجال بدرجة كبيرة.
ساسة البلاد الذين أغرتهم الحقيقة المتمثلة في أن اتفاقية كيوتو تحمل طابعاً يابانياً، ربما دفعهم ذلك للتخلي عن الكثير. وظهروا بمظهر الشخص الأحمق على نحو خاص عندما تراجعت الولايات المتحدة من البروتوكول برمته. ولكن القطاع الصناعي في اليابان، ليس فاضلاً بالقدر الذي تتصوره الحكومة. علماً بأنه ظل يتأرجح أو حتى يتراجع خلال فترة التسعينيات التي انعدم فيها النمو ويعود أحد الأسباب في ذلك إلى انعدام الاستثمار في تلك الفترة. بينما شهد القطاع الصناعي في الدول الأخرى ازدهاراً . وحسب ما ذكرت منظمة WWF اليابان، فإن قطاع الأعمال في المملكة المتحدة ربما يكون بالفعل قد تجاوز مستويات كفاءة الطاقة في اليابان. كما أن قطاع الطاقة يستخدم كميات من الفحم الحجري أكبر مما اعتاد أن يستخدمه، وهو توجه عززته حالات التوقف الأخيرة في محطات الطاقة الذرية بسبب الحوادث.
ما لم تقدم اليابان على توظيف ذكائها ومكرها أو ضخ مليارات الدولارات في تصاريح الكربون، فمن المؤكد أن تفشل في تحقيق أهداف اتفاقية كيوتو. الأمر الذي يثير الشك بأن مشروع عام 50 لتبريد الأرض- الذي يخلو من أي التزامات متوسطة المدى – هو عبارة عن مناورة لتمكنها من الخروج من ورطتها. كما أنه بمثابة هدية لإدارة بوش التي لا ترغب في تقديم أي وعود جازمة.
يتعين على اليابان أن تقدم شيئاً أفضل من ذلك في وقت توليها رئاسة قمة مجموعة الثماني في شهر تموز (يوليو). وكما يعترف بعض المسؤولين فيها بهدوء، فإن الحوار قد تحرك. ومنذ انطلاقة مشروع عام 50 لتبريد الأرض، قوي الإجماع حول ارتفاع حرارة الكون، وكذا قناعة أوروبا حول ضرورة تحديد أهداف ملزمة. وقامت أستراليا في عهد كيفن رود بالتصديق على البروتوكول. كما أن الإدارة الأمريكية المقبلة ربما تكون على استعداد لتقديم تعهدات أقوى.
إن اليابان إذا أخطأت في قراءة المناخ السياسي فسوف يكون ذلك أمراً خطيراً. ويعتبر ذلك عاراً لأنها يمكن أن تصبح قائدة بالفعل في هذا المجال. فبعض تقنياتها في مجال الاقتصاد في الطاقة – السيارات الهجين، الطاقة الشمسية، خلايا الوقود – ذات مواصفات عالمية. و النظم التي وضعتها في مجال الاستفادة من النفايات هي نظم رائدة في هذا المجال. فهنالك بعض المدن الصغيرة تستخدم فيها طاقة مستخرجة من النفايات. كما أن شبكة النقل العام، التي تمثل 47 في المائة من كل الحركة البشرية، محل حسد الحاسدين ولهم الحق في ذلك. وحتى ادعاءها بأن لديها نفوذا على الصين له بعض الميزات إذا أخذنا في الاعتبار البرود الذي اعترى العلاقات الدبلوماسية أخيراً و إعجاب الصين بالتقنية اليابانية.
لكن يتعين على اليابان أن تتصدى للقيادة من الأمام، حتى إذا كان ذلك يعني تقديم تعهدات لا تستطيع الدول الأخرى مجاراتها و إغضاب اللوبي الصناعي في البلاد. ولكن من خلال التأكيد على التقنية، يمكن أن تظهر كيف تؤدي مناصرة المناخ إلى تعزيز الصناعة اليابانية، وليس تدميرها.
خلال الأشهر المقبلة، يتعين على طوكيو أن تعلن أهدافاً جديدة للانبعاث لعام 2020، تكون أكثر واقعية من التعهدات تجاه هدف غير واضح لمدة تبعد ما يقارب نصف قرن. كما يتعين عليها كذلك أن تعطي تفسيراً مقبولاً عن كيفية تحقيق التزاماتها الحالية بموجب اتفاقية كيوتو. إن ذلك من شأنه أن يعطي اليابان السلطة الأخلاقية للعب دور الجسر ذلك الدور الذي تتوق شوقاً للقيام به. علماً أن فكرة فوروشيكي فكرة رائعة. ولكنها ليست البديل لسياسة وطنية واقعية.






لا يوجد تعليقات