طرق تجارية إستراتيجية بتكلفة 19 مليار دولار
مشروع لربط آسيا وأوروبا يعيد أسطورة طريق الحرير
على بعد نحو 150 كيلو مترا شمالي العاصمة الطاجيكستانية، دوشانبي، كان العمال منهمكين أخيرا وهم يضعون اللمسات الأخيرة على جسر يعد جزءا من امتداد جديد للطريق الذي يربط البلاد مع كيرغيستان.
تقف أعمال الإنشاءات هذه، والتي دشنت في أواخر 2004، شاهدا على المساعي الجارية حاليا لتحديث نظام الطرق الداخلية البالي لطاجيكستان والمحصورة داخل البلاد من دون منفذ إلى خارج الحدود، الذي مازال يحمل آثار الحرب الأهلية الطويلة التي اندلعت في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي.
وبالفعل وقعت ثماني دول الشهر الماضي اتفاقية طموحة وأكثر شمولية لإنفاق مبلغ 187 مليار دولار على الطرق والسكك الحديدية التي تمر عبر آسيا الوسطى، وبذلك سيتم إعادة الحياة إلى طريق الحرير وتمديده لمسافات أبعد، والذي كان يربط الصين بأوروبا في وقت ما.
على الرغم من أن الاتحاد الأوروبي تفوق على الولايات المتحدة هذا العام كوجهة رئيسية للبضائع والسلع الصينية، فإن أقل من 1 في المائة من التجارة البالغة قيمتها أكثر من تريليون دولار ما بين أوروبا وآسيا يمر عبر آسيا الوسطى، وهي منطقة كانت في وقت ما تقع في قلب التجارة بين القارتين.
اعتبرت الاتفاقية كاختراق سياسي في منطقة شهدت الانقسام إلى كيانات صغيرة ومتشظية، من خلال توحيدها لدول آسيا الوسطى: كازاخستان، كيرغيستان، طاجيكستان وأوزبكستان، مع جاراتها الشرقية: الصين، منغوليا وأفغانستان إلى الجنوب، وشقيقاتها في الاتحاد السوفياتي السابق: من أذربيجان إلى الغرب، والبلدان الثماني أعضاء في برنامج التعاون الاقتصادي الإقليمي لآسيا الوسطى.
إن المنافع الاقتصادية المرتبطة بمشروع المواصلات جمة حسب داعميه، وينطوي على هدف سياسي مشترك سيساعد على انتقال الأموال إلى المناطق التي يمكن أن تجني أعلى فائدة.
يقول إزيل غيزين، الاستشاري الذي يعمل في المشروع لحساب بنك التنمية الآسيوي في هذا الصدد: "لم يعد هذا المشروع أعمال ترقيع تقوم بموجبه على إنشاء أو إضافة شيء هنا وهناك وربما تهدر الأموال. هذه الاتفاقية تستهدف أعمال هيكلية حقيقية".
لا تعد النسخة الحديثة محاولة لعكس طريق الحرير القديم، والذي في حد ذاته سلسلة من الطرق والممرات، التي كانت تمر عبرها القوافل حاملة الحرير من الصين وآسيا الوسطى بالجمال إلى أوروبا القرون الوسطى. وعوضا عن ذلك، فإن الهدف هو استحداث ستة ممرات طرق وسكة حديد، من المخطط لها أن تنتهي بحلول 2108.
على الجانب الأوروبي، ستكون هناك ممرات تنتهي في تركيا في الجنوب وروسيا في الشمال. وعلى الجانب الشرقي ستلتقي الممرات بشبكة الطرق والسكة حديد المطورة والتي تعهدت الصين بتوفيرها لمقاطعاتها الغربية الأكثر فقرا.
في الحقيقة يتوقع من بكين توفير مبلغ مقدر بإجمالي 19 مليار دولار كتمويل لهذا المشروع، نسبة لأن ثلث الاستثمار من المتوقع تنفيذه داخل الأراضي الصينية. وفي الأثناء وجهت الدعوة إلى روسيا للمشاركة في هذا المشروع ولكنها لم تؤكد رغبتها حتى الآن.
غير أن جزءا كبيرا من المشروع كذلك يتعلق بإضافة أو تحسين الطرق المتجهة من الشمال إلى الجنوب، والتي ستصل إلى جنوبي آسيا والشرق الأوسط. وفي الوقت الذي ستسهم فيه هذه الطرق والسكك الحديدية الجديدة في إحياء أهمية آسيا الوسطى في مجال عبور البضائع والسلع، يقول المسؤولون إن إنشاء شبكة نقل أفضل تعد مسألة ضرورية للغاية بالنسبة إلى بعض الدول من أجل استدامة نموها الاقتصادي، الذي تسارعت وتيرته على خلفية طفرة السلع على نطاق العالم.
وعلى سبيل المثال، حققت كازاخستان الدولة النفطية الغنية، أخيرا، نموا سنويا قدر بنحو 10 في المائة. ويحذر غيزين قائلا: "هناك خطر من إعاقة النمو في بعض هذه الدول إذا فشل نظام النقل في خدمة احتياجاتها".
ويدعم بنك التنمية الآسيوي ADB هذا المشروع إلى جانب المصرف الأوروبي للإنشاءات والتنمية صندوق النقد الدولي، بنك التنمية الإسلامي، برنامج الأمم المتحدة للتنمية والبنك الدولي. إن مثل هذه المؤسسات متعددة الأطراف من المتوقع أن تمول أقل من نصف تكاليف المشروع.
وكدليل على الدفع نحو المزيد من التعاون الدولي، فإن الطريق الجديد الذي اكتمل شمال العاصمة الطاجيكستانية، دوشانبي، استقطب الخبرة الفنية والأيدي العاملة من عدة دول.
يتم الإشراف الهندسي على المشروع من قبل SMEC، شركة استشارات هندسية أسترالية، بينما أوكلت أعمال البناء والإنشاءات لشركة سانيوهايدرو الصينية. وفي الواقع تم جلب 120 عاملا صينيا للقيام بأعمال بناء الطريق. ومعظمهم مشغلي آليات، يعملون إلى جانب 360 عاملا محليا الذين يتم تكليفهم غالبا بمهام أساسية أكثر.
لكن على مدى العقد المقبل، فإن التحدي الحقيقي ربما لا يأتي بدرجة كبيرة من إنشاء مشروع بنية تحتية كهذه، وإنما من إدارته بكفاءة. وحتى الآن فإن العراقيل مثل الإجراءات البيروقراطية الزائدة وغير المتوقعة عند نقاط عبور الحدود يمكن أن يمثل عائقا رئيسيا للانتقال عبر آسيا الوسطى أكثر من البنى التحتية الضعيفة للطرق والسكة حديد، كما يقول الخبراء.
يقول هارويا كويري، اختصاص تمويل البنى التحتية يعمل في شركة ADB : "إن إنشاء السكك الحديدية يمكن أن يشكل تحديا بسبب الطبيعة الطبوغرافية لمنطقة كهذه، ولكنه ليس معقدا إلى هذا الحد. والجانب الأهم بالفعل هو أن تتوافر لدينا إدارة جيدة للسكة حديد، والتي يمكن أن تكون مهمة صعبة للغاية".
كذلك فإن بعض 80 مشروعا الذي حدد بالفعل سيتطلب تعهدات استخدام حقيقية من قبل الدول لتبرير هذا الاستثمار.
هناك حالة تم استشهادها من قبل غيزين هي خط السكة حديد الذي يعبر أوزبكستان وكيرغستان إلى داخل الصين.
ويقول غيزين معلقاً: "هذا المشروع يمكن أن يصبح جاذبا للغاية، شريطة أن تتعهد الصين بتوفير الكميات المطلوبة من السلع المنقولة.: ويضيف: "حركة النقل هذه يجب أن تبدأ من الصين، وإذا لم توظف الأصل بالكيفية المطلوبة فإنه سيصبح مكلفا للغاية".
علاوة على ذلك، على الرغم من الاتفاقية التي أبرمت الشهر الماضي، فإن المسؤولين مازالوا قلقين بشأن إمكانية حدوث خلافات حينما يحين الوقت لاتخاذ القرار بشأن أي من المشاريع الثمانين تعطي الأولوية من حيث الإنشاء.
وكانت مثل هذه المخاطر برزت في الاتحاد الأوروبي، والذي قضت الدول المنضوية تحت لوائه عدة سنوات وهي تتعارك حول كيفية تخصيص مبلغ 20 مليار يورو لإنشاء 30 شبكة طرق عابرة للقارة الأوروبية، ثلاثة أرباعها تتعلق بإنشاء طرق سكة حديد.
ولكن يقرغيزين بأن: "كل دولة ستطالب بتنفيذ مشروعها أولا"، وأن الاعتبارات السياسية وليست الاقتصادية هي التي ربما تحسم الجدل في نهاية المطاف.
لكن يبقى الأمل بأن المؤسسات متعددة الأطراف، آخذين في الحسبان مشاركتها المالية الضخمة، ستتمكن على الأقل في التحكم على اتجاه سير مشروع المواصلات، حتى ولو حاولت الحكومات تغيير الترتيبات الموضوعة لتنفيذ المشروع.
يقول غيزين "إننا نستطيع أن نقرر ماذا نفعل بأموالنا، ولكن ليس بمقدورنا أن نوجه الحكومة بشأن ما يجب أن تفعل بأموالها".






لا يوجد تعليقات