التغير السياسي في ماليزيا: وضع الحقيقة في إطار معين
من الأقوال العامة في ماليزيا، إن الأمور السياسية تدخل مرحلة حرجة جديدة كل عشر سنوات. غير أن الحقيقة هي أن الأزمات تأتي إلى كوالالمبور (والآن إلى بوتراجايا) على فترات أقصر من ذلك. ويمكن لتقييم سريع للأمور أن يشير إلى أن اضطرابات عام 1969 كانت الأولى بعد نيل الاستقلال عام 1957، حيث تلتها اضطرابات السبعينيات، ثم التوترات بين الأعراق المختلفة التي أدت إلى اعتقال 106 من الماليزيين تحت قانون لالانج سيئ السمعة عام 1987، بما في ذلك طرد كبار القضاة من مناصبهم.
بعد ذلك جاءت الأزمة المالية عام 1997، مما أدى بعد سنة من ذلك إلى طرد نائب رئيس الوزراء السابق، أنور إبراهيم، وإنشاء الحركة الإصلاحية. وأدى تسلسل الأحداث هذا إلى صدمة انتخابية كبرى للتحالف الحاكم عام 1999. ووفقاً لهذا السيناريو المصطنع، فإنه آن الأوان لحدوث أزمة جديدة في الوقت الراهن، ولكن على المرء ألا ينسى كل فترات التجربة التي مرت بها ماليزيا خلال 50 عاماً من الاستقلال.
ولذلك، فإن في الإمكان توقع حدوث أزمة حتى دون النظر إلى ذلك التسلسل. ولعل أهم الأسباب الجذرية هو أن هذا البلد حصل على استقلاله في خضم تمرد شيوعي واسع، حيث سارعت التوترات إلى الظهور داخل التحالف الحاكم. وكانت الستينيات فترة صعبة بصفة خاصة إذ شهدت التكوين الحقيقي لماليزيا، وكذلك المواجهة المسلحة مع إندونيسيا، وانفصال سنغافورة، والاضطرابات التي جاءت بعد الانتخابات العامة. ولم تكن السبعينيات فترة أفضل من ذلك بكثير، حيث تم إصدار عدد من القوانين غير الشعبية بهدف إعادة البلاد إلى الحياة البرلمانية، وتخفيف حدة التوترات بين الأعراق المتعددة. وفرضت قيود متعددة على حرية التعبير، والتجمعات، بل وحتى الحريات البرلمانية.
وتم كذلك إقرار المزيد من السياسات الحازمة، وسط تحول كبير في السلطة لصالح ذوي الأصول المالاوية، إضافة إلى تقاعد رئيس الوزراء ذي الشعبية الواسعة، تانكو عبد الرحمن بوترا. وساعدت وفاة الدكتور إسماعيل عبد الرحمن وزير الشؤون الداخلية، ونائب رئيس الوزراء في آب (أغسطس) عام 1973، وكذلك وفاة تون عبد الرزاق حسين، رئيس الوزراء، في كانون الثاني (يناير) 1976، على اضطراب الحزب الحاكم لفترة طويلة من الزمن .
وكان على مهاتير محمد أن يوطد سلطته بعد أن وصل إلى سدة الحكم في الثمانينيات، وبالذات داخل الحزب الحاكم. ولم يساعده في ذلك الركود الاقتصادي بين عامي 1985، 1988. وانطلاقاً من إدراكه لقوة التيار الإسلامي، عين أنور إبراهيم نائباًَ له، كما أنه كان ناجحاً في القضاء على خصومه. وظل طوال التسعينيات إلى أن وقع الخلاف بينه وبين أنور إبراهيم عام 1998، بمثابة الزعيم الذي لا ينازع للحزب والدولة. وإضافة إلى التوجه الإسلامي الذي كان لا بد من نهاية له، فإن مهاتير استطاع إقناع من حوله بأن التضحيات اللازمة في سبيل استمرار التقدم لن تصبح ضرورية بحلول عام 2020. واستطاع هذا الرجل إطلاق برنامج من المساعدات التي عملت من خلال بعثاته السياسية الخارجية على تعزيز النظرة إلى بلاده في عيون عدد من الدول الضعيفة.
وجاءت الأزمة المالية لتضر بمهاتير في الصميم، شأنه في ذلك شأن عدد من الزعماء الآسيويين. واستطاع هذا الرجل من خلال القيود المالية أن ينجو باقتصاد البلاد بطريقة أقرب إلى السحر، كما تمكن بذلك من التغطية على العديد من جوانب فشله السياسي. واضطر خلال هذه العملية إلى تدمير الحياة العملية لرفيقه وصنيعته، أنور إبراهيم. ولم يتراجع هذا الرجل سريعاً، بل أوجد أخطر أزمة سياسية داخل التحالف الحاكم، كما عمل على إنشاء جبهة الإصلاح التي ضمت عدداً كبيراً من الناشطين من مختلف الأعراق. وبدأ مهاتير انطلاقا من تقدمه في السن يحاول حل المشكلات المتعلقة بخلافته، ومن بينها انشقاق الحزب الإسلامي ضمن تجمع ذوي الأصول المالاوية، واقتراح أن يخلفه ذلك الرجل المتدين، عبد الله بدوي.
وكان الماليزيون الذين ملوا المشكلات السياسية، تواقين لمنح هذا الرجل الجديد فرصة لكي يثبت جدارته. وكانت وعوده شبيهة بالوعود الصادقة للزعماء القادمين حديثاً إلى عالم السلطة. وأحس كثيرون بالتضليل من جانبه خلال السنوات الأربع الماضية، إلا أنه ينبغي الاعتراف بأن حكم ماليزيا ليس بالأمر السهل. وكان مزيج إدارة الصراع خلال 50 عاماً قد تكون من أنصاف الإجابات، وأشباه الحلول، والخطاب السياسي المراوغ، بمثابة أمر جعل هذا الرجل في حاجة إلى تقديم وعود أصعب من أن ينفذها هو، أو أي زعيم في آسيا.
وكانت التحديات الكبرى أمامه ماثلة في ذلك العدد الكبير من رموز السياسة الذين أمضوا فترات طويلة في مناصبهم، وكذلك العدد الكبير من التشريعات والقوانين التي عفا عليها الزمن، إضافة إلى التحديات الكبرى التي تطرحها المعارضة المنقسمة على ذاتها، وكذلك الناخبين المخدرين بوعود الائتلاف الحاكم الذين تغذي خلافاتهم الصراعات العرقية المزمنة. وهكذا وجد الرجل أن هذه المؤسسة غير قابلة للتغيير.
وكانت عوامل عدم الكفاءة الاقتصادية، والتوترات الاجتماعية والعرقية، تنمو تحت هذه الطبقة من التحديات الصعبة. وأدت أربع سنوات من عدم القدرة على وضع حلول مناسبة لكل هذه المشكلات إلى الكشف عن الصراع الخفي، وزيادة درجات انعدام الرضا عن الأوضاع القائمة في البلاد. واتضح أن هيكل السلطة الماليزية الذي نادرا ما تمت معارضته بطريقة سليمة، بدأ في تفريخ عوامله الداخلية المحافظة التي تقاوم بطبيعتها توجهات الإصلاح اللازمة لتخليص البلاد من الفساد، وعدم الكفاءة، وأساليب الخداع التي عاشت ضمن 50 عاماً من الأزمات غير المنتهية، والتوترات المجمدة. ونظراً لافتقار الإدارة الحاكمة الحالية إلى الإدارة والرؤية، فإنها لم تفلح سوى في ترقيع النظام السياسي للبلاد.
أستاذ مشارك في المعهد الآسيوي لجنوب شرقي آسيا للدراسات في سنغافورة.
خاص بـ "الاقتصادية"
copyriahtopinlonasia






لا يوجد تعليقات