تسجيل الدخول كلمة المرور
مستخدم جديد
الخميس old هـ. الموافق 24 يناير 2008 العدد 5218  
انت الآن تتصفح عدد من الارشيف, نشر قبل 786 يوم . عودة لعدد اليوم
طباعة طباعة
انشر الخبر في الفيس بوك انشر الخبر في تويتر حفظ ارسل لصديق طباعة علق


لماذا ينبغي للأجهزة الرقابية التدخل في أجور المصرفيين؟



"الحقيقة أنك لا ترتاح للمصرفيين، أليس كذلك؟". هذا السؤال الذي طرحه عليّ مصرفي سابق التقيت به في الأسبوع الماضي أخذني على حين غرة. وكان جوابي: "لا أبداً. بعضاً من أفضل أصدقائي من المصرفيين". وفي حين أن هذه العبارة صحيحة، إلا أنها ليست كل الحقيقة. من الممكن أن أرتاح إلى كثير من المصرفيين، لكنني بالأحرى أكره البنوك. أنا أدرك ضرورة وجودها، لكنني أخشى انعدام الإحساس بالمسؤولية فيها. والأسوأ من ذلك أن البنوك تتصرف على نحو غير مسؤول لأنها تعلم أن وجودها ضروري.

موقفي من صناعة البنوك ليس تحاملاً، أي أنه ليس حكماً سلبياً مسبقاً عليها, إنه حكم سلبي لاحق. تجربتي الأولى مع انفلات الصناعة المصرفية من عقالها كانت حين شاهدت الإقراض غير المسؤول الذي أدى إلى أزمة الدين الطاحنة التي أضرت بالبلدان النامية في الثمانينيات.

خلال العقود الثلاثة الماضية شهد العالم ما يزيد على 100 أزمة مصرفية مهمة. بل إن السلطات اضطرت لإنقاذ أجزاء مهمة من النظام المالي الأمريكي، الذي يعد من معظم الجوانب أكثر النظم المالية تطوراً في العالم، أربع مرات خلال الفترة نفسها: من أزمة دين البلدان النامية وأزمة مؤسسات "الادخار والقروض" في الثمانينيات، إلى أزمة الممتلكات التجارية في أوائل التسعينيات والآن أزمة القروض السكنية لضعيفي الملاءة وتوريق الديون خلال 2007- 2008.

لا توجد صناعة تتمتع بموهبة مماثلة في الاحتفاظ بالأرباح لنفسها وتحميل الخسائر على المجتمع. ولا يوجد مشاركون في أية صناعة أخرى يشعرون بالاستياء الشديد حين لا يهب المسوولون الحكوميون، خصوصاً مسؤولو البنوك المركزية، لنجدتهم فور وقوعهم في المشكلات (التي يستحقون الوقوع فيها).

ومع ذلك، فإنهم على حق في توقع الإنقاذ. فهم يعلمون أنه طالما أنهم يرتكبون الأخطاء نفسها معاً، كما يفعل "المصرفيون المدركون لعملهم"، فإن القطاع العام لا بد أن يهب لنجدتهم. والمصرفيون قادرون على أخذ الاقتصاد، وبالتالي أصوات الناخبين، رهينة لديهم. ولا خيار أمام الحكومات إلا الاستجابة.

ومن غير الصعب أن نفهم الحوافز التي تنتج الآثار المذكورة. لقد سبق أن أعطيت الجواب العام في مقالي "لماذا يظل العمل المصرفي حادثا ينتظر الوقوع؟" (الاقتصادية، 26/11/1428).

إن طبيعة الشركات ذات المسؤولية المحدودة أن تخلق حالات تتسم بتضارب المصالح، بين الإدارة والمساهمين، وبين الإدارة والموظفين الآخرين، وبين الشركة وعملائها، وبين الشركة والأجهزة الرقابية. ومع ذلك، فإن إدارة حالات تضارب المصالح التي تخلقها المؤسسات المالية الكبرى تفوق في صعوبتها بكثير ما يحدث في أية صناعة أخرى.

هذا الوضع يعود إلى ثلاثة أسباب أساسية: الأول، أن البنوك هي عملياً الشركات الوحيدة القادرة على أن تعيث الفساد والدمار في اقتصادات بأكملها. الثاني، أن انتشار الارتياب وانعدام اليقين داخل الصناعة البنكية ليس له مثيل في أية صناعة أخرى. الثالث، لا توجد صناعة أخرى غير الصناعة البنكية يجد الخارجون عنها أن من الصعب عليهم الحكم على كفاءة اتخاذ القرارات بداخلها، على الأقل على المدى القصير. وبالتالي هذه الصناعة تتفرد عن غيرها من حيث نطاق تنظيمها الرقابي والدعم الحكومي المقدم لها. ومع ذلك، فإن اجتماع هذين العاملين لا يعد بأي حال دلالة على النجاح. والأزمة الحالية التي يعانيها أكثر النظم المالية تطوراً في العالم تثبت هذه الحقيقة.

وأنا أخشى الآن أن يعمل اقتران هشاشة النظام المالي بالمكافآت الهائلة التي يولدها لأهل الصناعة على تدمير شيء أكثر حتى أهمية من غيره، وهو الشرعية السياسية لاقتصاد السوق نفسه، في جميع أرجاء الكرة الأرضية. لذلك آن الأوان للبدء في التفكير والخروج بأفكار جذرية حول كيفية حل المشكلات.

حتى الآن انصبت الجهود الرسمية الرئيسة على الجمع بين المساندة والتنظيم الرقابي، من قبيل نسب رأس المال وأنظمة إدارة المخاطر وما إلى ذلك. وأنا نفسي سبق أن جادلت في سبيل فرض زيادة على المتطلبات الرأسمالية في البنوك. ومع ذلك هناك صعوبات واضحة تعتري جميع هذه الجهود. ومن السهل تماماً على العالمين ببواطن الصناعة اللامعين، والذين لديهم الحوافز، لأن يعملوا على تطويع القوانين الرقابية التي من هذا القبيل لصالحهم.

إذن، ما البدائل؟ يفضل بعض الليبراليين في السوق ترك القطاع المالي أمام الظروف القاسية في السوق الحرة. ومع الأسف الدليل التاريخي في منتهى الوضوح، وهو أن الجمهور غير قادر على التعايش مع عواقب ذلك.

الاقتراح البديل هو اللجوء إلى "العمليات البنكية الضيقة" (أي أن يقتصر دور البنوك على اقتناء السندات الحكومية المأمونة والسائلة، وأن تتولى أمور الإقراض شركات مالية وسطية)، واقتران ذلك بنظام مالي غير خاضع للتنظيم الرقابي (وغير خاضع للحماية). في هذه الحالة ستستثمر البنوك الضيقة في السندات الحكومية، وتدير نظام الدفع والسداد، وتقدم إمكانية الودائع المأمونة للجمهور. والنقص الذي يعتور هذه الفكرة التي يدل ظاهرها على أنها جذابة، واضح: النشاط الذي لا يخضع للتنظيم الرقابي يرجح له أن ينقلب إلى نشاط خطر، وعندها ستُجرجَر الحكومات من جديد داخل الفوضى.

لا. السبيل الوحيد للتعامل مع هذا التحدي هو التعامل مباشرة مع الحوافز، كما جادل راجورام راجان، كبير الاقتصاديين سابقا لدى صندوق النقد الدولي. ففي مقالة ممتازة نشرت بتاريخ 9 كانون الثاني (يناير) 2008، في "فاينانشيال تايمز" بعنوان: "رواتب المصرفيين تعاني من خلل كبير"، قال إن الصراع الرئيس هو بين الموظفين (وبالدرجة الأولى الإدارة) وكل الناس الآخرين. وحين يتلقى المصرفيون علاوات هائلة على أساس الأداء قصير الأجل في نظام يستحيل فيه اقتطاع علاوات سلبية من الموظفين، فإن البنوك تخلق حوافز عملاقة لإخفاء عملية اتخاذ المخاطر وإظهارها على أنها خلق للقيمة.

سنكون أفضل حالاً لو أن السنة الأرضية هي في طول السنة على كوكب المشتري (طول السنة على المشتري 12 سنة من السنوات الأرضية)، على اعتبار أن الأمر سيستغرق هذه المدة الطويلة لمعرفة مدى ربحية الاستراتيجيات البنكية. إن هدفي من هذه النقطة هو أن السنة هي ظاهرة فلكية وليست ظاهرة اقتصادية (كما كانت في الماضي، حين كانت مواعيد الحصاد حاسمة في حياة الناس). وبالتالي يتعين علينا أن نضمن أن جزءاً لا يستهان به من الراتب يُستحسن أن يكون وفقاً لحقائق الأعمال، بمعنى أن يكون جزء كبير من الراتب على شكل أسهم مقيدة يمكن لصاحبها استرداد قيمتها على مدى عدة سنوات (الرقم المثالي هو عدد من السنوات يصل إلى عشرة أعوام).

ومع ذلك، فإن المؤسسات الفردية لا تستطيع تغيير أنظمة الرواتب والعوائد لديها، وإلا فإنها ستخسر موظفين موهوبين لأن الشركات المنافسة ستستولي عليهم. وبالتالي ربما يتعين على الأجهزة الرقابية التدخل في الموضوع. إن الفكرة وراء تدخل رسمي من هذا القبيل مريعة، لكن البديل الذي هو عبارة عن أزمات تتكرر دون نهاية أسوأ حتى من ذلك.

إن الأمور المهمة في هذا المقام هي: أولاً نحن لا نستطيع التظاهر بأن الطريقة التي يتصرف فيها النظام المالي ليست مسألة تهم الصالح العام، وإذا لم تقتنع بذلك فما عليك إلا النظر إلى ما يجري حالياً في الولايات المتحدة وبريطانيا. ثانياً، إذا أريدَ إصلاح المشكلة فمن الضروري أن تكون الحوافز التي تعطى لصانعي القرارات مرتبطة بالنتائج.

المسألة الأخرى هي المدى الذي ينبغي فيه بسط السلطة الرقابية على مسألة الرواتب. من رأيي أن هذه السلطة يجب أن تشمل جميع المؤسسات المالية المهمة من حيث دورها الاقتصادي الكبير. لن يكون من السهل وضع حد بين المهم وغير المهم، لكن هذه مشكلة تواجهها جميع الأجهزة الرقابية. إنها ليست مشكلة لا حل لها. والسؤال الذي تحتاج السلطات الرقابية أن توجهه لنفسها بسيط: إذا وقعت مؤسسة مالية معينة في ضائقة لا يستهان بها، فهل يتعين على السلطات التدخل؟

إذا كان تضارب المصالح الذي يسيطر على جميع الآخرين هو التضارب بين الموظفين وجميع الأشخاص الآخرين، لا بد والحالة هذه من تصويبه. ينبغي أن تُدفع جميع العلاوات وجزء من الراتب لكبار المديرين على شكل أسهم مقيدة، يمكن استرداد قيمتها على أقساط، على مدى عشر سنوات، مثلاً، أو إذا شعرت الأجهزة الرقابية بالكرم، فلتكن المدة خمس سنوات. ومن المفهوم لدي أن المصرفيين لن يحبوا هذا الإجراء. ومع ذلك هناك أمر يجب بالتأكيد أن يكون الآن في منتهى الوضوح: مثلما أن الحرب تبلغ من الأهمية شأناً لا يمكن معه أن تُترك للعسكريين، فإن النشاط المصرفي يبلغ من الأهمية شأناً لا يمكن معه أن يُترك للمصرفيين، بصرف النظر عن مدى حبنا لهم.

عدد القراءات: 306
طباعة طباعة
انشر الخبر في الفيس بوك انشر الخبر في تويتر حفظ ارسل لصديق طباعة علق



لا يوجد تعليقات


  • اضف تعليق
  • ارسل لصديق
التعليق مقفل
اسم المرسل بريد المرسل
بريد المستقبل (يمكن اضافة اكثر من عنوان بريدي، مفصولة في ما بينها بمسافة او فاصلة)
تعليق

الاقتصادية اون لاين

الأكثر تفاعلاً

  • قراءة
  • تعليقاً
  • ارسالاً