حريق البطحاء يقضي على الأخضر.. واللصوص يحصدون ما بقي من "اليباس"
روما والقاهرة ونيويورك.. هل تأثرت كما تأثرنا؟
يذكر التاريخ حريق روما الشهير، عندما أشعل إمبراطورها "نيرون" النيران في عاصمة إمبراطوريته، كما لا ينسى أيضا حريق القاهرة الشهير عام 1930م، حريق مدينة نيويورك أيضا في الثلاثينيات الميلادية، كلها حرائق نقلتها لنا كتب التاريخ، لم تكن لتنقل لولا حجمها الكبير وتأثيرها الاقتصادي الخطير، لكن هل تعلم عزيزي القارئ أن هذه الحرائق قد لا تصل إلى المساحة الكبيرة التي غطاها الحريق الذي اشتعل في حي البطحاء الأسبوع المنصرم، ولا الخسائر التي خلفها هذا الحريق على المستثمرين والتجار.
"الاقتصادية" جالت في موقع الحريق وتحدثت مع شهود عيان، كما التقينا بمستثمرين وتجار متضررين من هذا الحريق، بحثا عن السبب الحقيقي لهذا الحدث الخطير، إذ إننا سنحاول العودة بالمسألة إلى ما قبل ذلك، لرصد السبب الحقيقي، فالنار في حد ذاتها سهلة الإيجاد، إلى أن النوايا والأعمال تخضع لإرادة الإنسان، سواء كانت هذه الإرادة طيبة كالمسك، أم خبيثة كالكير!
البطحاء.. مرتع السكارى
كشف لـ "الاقتصادية" عدد من المستثمرين، أن اشتعال الحريق في مجموعة من البنايات التجارية في البطحاء والتي تحوي عددا من المراكز التجارية أمر وارد، وذلك في ظل تسيب و"تسكع" عدد من الشباب قبيل منتصف الليل بين ردهات وجنبات المحال التجارية في حالة غير طبيعية، كأن يكونوا مخمورين أو متعاطين للمسكرات والحشيش، وهذا ما نلحظه بين الحين والأخر، في مشهد شبه متكرر.
ولم يستبعدوا أن يكون أحد من هؤلاء الشباب قد رمى أعقاب سيجارة غير مبال ولا مدرك لما قد تلحقه من أضرار جسيمه أو قيامه بأي أمر في حال لا يدرك به ما يقوم به وذلك بعيدا عن عين الرقيب، مبينين أن النيران أتت على جميع المحال من الخارج ولم تترك منها سوي الجزء الداخلي من البضاعة والتي لم تسلم إلا في مراكز تجارية قليلة.
فيما لم يسلم أصحاب المحال التجارية المتضررة التي تجاوز عددها الـ 500 محل ما بين ملابس جاهزة وأقمشة رجالية ونسائية وكذلك بعض من محال لعب الأطفال، من أيدي اللصوص العابثين الذين استغلوا الحريق لمصالحهم منذ اشتعال أول شرارة حريق، وفي الغفلة والانشغال بإطفاء الحريق، دخلوا السوق بطرق غير مشروعه، وحين دخولهم وتمركزهم في وسطه تنوعت هممهم في السرقة فوقعت أيديهم على كل ما تجده من ملابس أو أقمشة أو حتى لعب، في موقف يؤكد ضعف أنفسهم وقلة حيلتهم.
مخالفات السلامة المهنية
وفي جولة لـ "الاقتصادية" كشفت بعض مخالفات المحال التجارية وطريقة توزيعها لشروط السلامة المتعلقة بالدفاع المدني أو أمانة مدينة الرياض، حيث لوحظ صغر مساحة بعض المحال وهو ما يخالف شروط الأمانة التي تنص على ألا تقل أبعاد المحل عن 24 مترا مربعا مزودا بدورات مياه، إضافة إلى تلاصقها وضيق ممراتها الداخلية المؤدية إلى وسط المجمع.
وتشترط أمانة الرياض على المحال التجارية التي ليس لها علاقة بالصحة العامة: مثل المحال التجارية ( بيع الأقمشة – الملابس - الأحذية ) محال بيـع مواد البناء ومحال الذهب والمجوهرات وما شابهها من الأنشطة الأخرى التي ليس لها ارتباط بالصحة العامة، حيث حدد لهذه الفئة شروط عامة يلزم توافرها في جميع هذه المحال إضافة إلى أن بعض الأنشطة لها شروط خاصة لكل نشاط.
كما تؤكد على تطبيق إجراءات التراخيص المحال التجارية من حيث تقدم صاحب العلاقة إلى البلدية الفرعية المختصة بطلبه ويحدد فيه موقع المحل المراد ترخيصه والنشاط المطلوب الترخيص له، يدرس الموقع من قبل الموظف المختص، وفي حالة مناسبته للنشاط يزود بالشروط المطلوبة لتوفيرها من حيث تجهيزه، التأكد من مناسبة الاسم التجاري وعدم تكراره،
خروج المراقب الفني للتأكد من تطـبيق الشروط اللازمه، استكمال مسوغات الترخيص، أخذ موافقة الجهات المختصة مثل ( الدفاع المدني، شركة الغاز، وزارة الإعلام، وزارة الصحة، وزارة التجارة، وزارة المواصلات وخلافها حسب نوع النشاط المراد ترخيصه، استيفاء رسوم اللوحات ورسوم الرخصة المهنية، ومن ثم تأتي المرحلة النهائية في
إصدار الترخيص.
أزمة ملابس جاهزة
في أزقة صغيرة وممرات ضيقة يبدأ 450 مستثمرا سعوديا وخليجيا نشاطهم مع صبيحة كل يوم بحماس واستعداد منقطع النظير استعدادا لعيد الفطر المبارك حيث يكثر الطلب على شراء الملابس والأقمشة بشكل كبير، فالحريق وملابس العيد تتفق عليهم، في الوقت الذي توقع فيه عدد من تجار الملابس الجاهزة في الرياض أن يتسبب حريق البطحاء الذي وقع قبل يومين وتسبب في إلحاق الضرر والدمار في أكثر من 500 محل متخصص في الملابس الجاهزة، أن ترتفع بعض أسعار الملابس الجاهزة من 10 إلى 20 في المائة، مؤكدين أن الخسائر قد تفوق عشرات الملايين من الريالات، وان أكثر المتضررين من الحادث هم تجار الجملة.
وأكد لـ "الاقتصادية" غسان بن مهدي أحد بائعي الملابس الجاهزة في سوق الأندلس، أن حريق البطحاء قد يتسبب في ارتفاع أسعار بعض الملابس الجاهزة وخاصة ملابس الأطفال بما يقارب 20 في المائة والملابس النسائية بما يقارب 10 في المائة، وذلك لأن هذا النوع من الملابس هي أكثر الملبوسات طلبا في السوق السعودية.
وأضاف ابن مهدي أن بعض المحال التجارية المتخصصة في بيع الملابس قد استعدت مبكرا بتجهيز الملابس الجاهزة قبل الحادث بشهر تقريبا، وقال:" لو كان الحريق قد حدث في شهر شعبان لارتفعت أسعار الملابس لأكثر من 50 في المائة".
وأفاد ابن مهدي أن أكثر المتضررين من الحريق هم تجار الجملة الذين يعتمدون على جلب الملابس بكميات كبيرة من سوق البطحاء إضافة إلى أصحاب المحال الصغيرة. وأضاف أن تجار التجزئة في معظمهم قد حصلوا على بضائعهم قبل وقوع الحريق بنحو شهر وهم بذلك يعدون من الأقل ضررا من تبعات هذا الحريق في الوقت الحالي.
ومن جانبه يرى أبو محمد - صاحب أحد المحال المتخصصة في بيع الملابس الجاهزة - إن حادثة حريق البطحاء أكثر ما سيؤثر في ملابس الأطفال الجاهزة بشكل كبير، وذلك لأن معظم ملابس الأطفال الموجودة في السوق هي من صناعة متواضعة تجلب معظمها من محال البطحاء، مشيرا إلى أن الملابس النسائية قد تتأثر بشكل طفيف وبطرق غير مباشرة.
يخشى أبو محمد أن تستغل بعض المحال هذا الحادث في رفع أسعارها بحجة تأثرها من هذا الحريق الذي تسبب في مضاعفة خسائرها، متوقعا أن تكون معظم المحال في الرياض قد استعدت بتجهيز بالبضائع والملبوسات منذ نحو الشهر وهذا يجعل ارتفاع الأسعار ينحصر في بعض الأنواع من الملبوسات وليس في جميع الملبوسات.
الخسائر 300 مليون ريال
والتقت "الاقتصادية" بعدد من المتضررين من حريق البطحاء من أصحاب
العمائر وأصحاب المحال، حيث يقول خالد سعود - صاحب محال لبيع الملابس الجاهزة إنني طوال الـ 15 سنة الماضية لم أتعرض لخسائر مادية ولله الحمد حيث كنت أخذ بضاعتي من سوق الجملة في البطحاء وأعتقد أن هذا الحريق سوف يؤثر في تجارة الجملة في البطحاء مما يجعلني أفكر الذهاب لأول مرة للخارج لاستيراد الملابس الجاهزة.
ويقول صالح السيد صاحب ثلاثة محال احترقت في حريق البطحاء كنت قد حضرت من دبي محملاً بالبضائع لتخزينها لموسم العيد لأعوض خسائري ولكن زادت الخسائر، وكثرت الديون.
يقول سعيد المحمد "احترق محلي بالبضاعة وسندات الديون التي تتبع لبعض التجار والتي تقدر بمئات الألوف وعند سماعي بالحريق أغمي علي ونقلني أبنائي إلى المستشفى وبعد خروجي اتصلت على التجار أذكرهم بالدين والحمد لله جميعهم أقرو به"
يقول ناصر العلي صاحب أربعة محال متضررة " تقدر خسائري بـ 500 ألف حيث أبلغني أحد عمالي بالحريق نحو الساعة الخامسة وحضرت مع أول فرقة للدفاع المدني وكان ذلك في الجهة الجنوبية للسوق، لو وضعت حراسات أمنية عند مداخل و مخارج وممرات السوق لتمت السيطرة على الحريق في وقت مبكر.
وتقدر حجم الخسائر المالية - بحسب متعاملين في السوق - بما يزيد على 300 مليون ريال، في الوقت الذي قام فيه عدد من أصحاب المحال التجارية بترقيم محالهم طبقا لما طلبته منهم لجنة الحصر، بعد أن أثبتوا مكلية مراكزهم.
لجنة لحصر الأضرار
وكانت قد بدأت السبت الماضي، لجنة حصر الأضرار الناجمة عن الحريق الذي نشب في سوق البطحاء أعمالها، وذلك بتوجيه من الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض. واكتظ فندق غازي مقر اللجنة بالمئات من أصحاب المحال التجارية المتضررة.
وبدأ الاستقبال منذ الصباح الباكر، وتوافد أصاحب المحال المحترقة من مواطنين ومقيمين على الجهة الجنوبية الشرقية من موقع الحادث، ولم يمكن أي رجل لا يحضر أوراق تثبت ملكيته من دخول الفندق ومن استيفاء أوراقه.
وقامت اللجنة بحصر عدد المحال التي يأتي صاحبها بإثبات ملكيتها وذلك بوضع رقم مخصص على المحل وأخذ التفاصيل الدقيقة عما يحتويه.
وأكد لـ"الاقتصادية" النقيب عبد الله بن صالح القفاري المتحدث الرسمي لمديرية الدفاع المدني في منطقة الرياض، أنه لم تسجل أي وفيات، حيث تم نقل إصابة واحدة بواسطة الهلال الأحمر الذي كان موجودا ومشاركا مع الجهات المعنية، مبينا أن هناك إصابات طفيفة تم علاجها ذاتيا ولم تستدع نقلها إلى المستشفى.
وما زالت قوات الأمن تضرب طوقا أمنيا لحين الانتهاء من الاحتياطات الاحترازية، ما يؤكد أن الموقع مازال خطرا ويحتاج إلى وقت من التطهير والتنظيف من بقايا وشوائب الحريق.
وعمل رجل الدفاع المدني كل احترازاتهم داخل السوق بعد أن وصلت درجة الحرارة إلى أكثر من 1200 درجة داخل الأسواق، وفيها خطورة على رجال الإطفاء.
ومن المفارقات والعلامات التي تثير الدهشة، فندق حمل اسم "الصغير" وسط السوق لم تلحق به أي أضرار من ألسنة النيران التي لم تحرم جيرانه من أصحاب المحال التجارية الأخرى، حيث بادرت إدارة الفندق قبيل اشتعال النيران مغرب الإثنين الماضي، بإخلاء جميع النزلاء.
وقال لـ "الاقتصادية" سهو معضد المطيري - تاجر ملابس في سوق الجملة - أن سوق الجملة يغذي جميع أسواق المملكة من الملابس الجاهزة والعطورات والأحذية، متوقعا أن حجم الخسائر قد يتجاوز 300 مليون ريال، متوقعا أن يكون المتسبب في الحريق أفراد، باعتبار أن البطحاء مركز للمتخلفين و مدمني المخدرات، وأن الحريق اندلع في جهتين من البطحاء متباعدتين بنحو ثلاثمائة متر وفي آن واحد مع أذان المغرب. مشيدا في الوقت ذاته بجهود رجال الدفاع المدني في السيطرة على الحريق، كما قدم شكره لأمير منطقة الرياض على اهتمامه واستعجاله في تشكيل لجنة لحصر الأضرار.
وروى أحد ملاك المحال، أن هذا الحريق هو الثاني فقد أندلع حريق عام 1415 يتعدى حريق الإثنين الماضي بنحو كيلو ونصف الكيلو، مستدركا إلا أنه لم يكن بحجمه من حيث النيران والخسائر المادية.






لا يوجد تعليقات