تسجيل دخول
نسيت كلمة المرور |  مستخدم جديد
 
الخميس old هـ. الموافق 19 يوليو 2007 العدد 5029
آخر الأخبار
انت الآن تتصفح عدد من الارشيف, نشر قبل 2655 يوم . عودة لعدد اليوم

الفرق بين الطريقة الاستنباطية والاستقرائية في الفلسفة

أرسل لي الأخ باجبير حين قرأ عن مقالتي في زرع الأعضاء مايلي:" رائع ياأستاذ . ذكرتنى ببرنارد ، فأيامها كنت أدرس الاقتصاد الصناعي في ألمانيا وكيف فى حينه أقام البرفسور الدنيا إعلاميا ولم يقعدها بالنجاح الذى  حققه . ولم ينجو للأسف من الهجوم فقط بسبب موت مريضه وإنما أيضا بسبب عشقه وارتباطه بفتاة شابة وتركه عائلته وأم عياله. هكذا الدنيا كما نعرفها، لا يعجبها أحد . أتمنى أن تتطرق قريبا  لموضوع التفريق بين المنهج الاستنباطى والاستقرائى كما أوعدت هنا في مقالة اليوم ، فكلي آذان صاغية).

وجوابي عليه أن من استفاد من الفكر (السنني) عند ابن رشد وابن خلدون هم رواد النهضة الغربية في إيطاليا، فقد جاء في كتاب (عندما تغير العالم) للكاتب (جيمس بيرك) من سلسلة (كتاب عالم المعرفة) الكويتية رقم 185 ترجمة ليلى جبالي (وجدير بالذكر أن مدينة بادوا كانت المكان الذي هرب إليه معظم مؤيدي الفيلسوف العربي (ابن رشد) (AVERROISM ) في القرن الثالث عشر وبداية القرن الرابع عشر لمواصلة تعليم فلسفته في البحث التجريبي لدراسة الكون الذي يشبه في نظرهم آلة تسير وفقاً لقوانين عقلانية)

ومن بادوا انطلق تيار عقلي تحرري، بدأ  ينتبه إلى فكرة (السنن) في إدراك الوجود، و(البحث التجريبي) الذي يقوم على طريقة جديدة في فهم الوجود هي الطريقة (الاستقرائية - INDUCTION) بدلاً من الطريقة الأرسطية القديمة، التي تقوم على الطريقة ( الاستنباطية - DEDUCTION ).

وتقوم الطريقة الاستنباطية على وضع المقدمة والقياس عليها وهي مقدمة كبرى وصغرى ونتيجة ( كل إنسان فان. سقراط إنسان. سقراط فان)، في حين أن الطريقة الاستقرائية تعمل من تحت لفوق بالعكس، فهي تجمع الوقائع ثم تخرج بالقانون الذي ينتظم الوقائع ويفسرها، والفرق الجوهري أن المنطق الأرسطي الصوري يبقى في الإطار النظري في حين أن منطق البحث التجريبي، الذي انطلق به المسلمون من روح القرآن، هو الانطلاق من الواقع واستخراج قانونه الذي يفسره.

ويمكن مراجعة كتاب (منطق ابن خلدون) للدكتور علي الوردي في توضيح هذا الأمر في المثل المضحك عن ( أسنان الحصان )، حيث اجتمع رهط من تلامذة أرسطو يتناقشون في عدد أسنان الحصان، فاختلفوا وكل منهم أراد إثبات وجهة نظره (نظرياً) فلم يكلف أحدهم خاطره، ويلوث يديه بفتح فم الحصان، والنظر في نوعيتها!!

ومنه انتشر في التاريخ مثل الجدل البيزنطي، عن معنى الجدل العقيم، وهو امتداد لهذا التفكير الذي أعاق التقدم العلمي ألفي سنة؛ أي الطريقة الأرسطية التي تعتمد البحث النظري فقط، للوصول إلى حقائق الوجود، فكانت طريقة ابن خلدون (الاستقرائية) ثورة معرفية، على الفكر القديم بتدشين (العودة إلى الواقع) لأن أي (صخرة)، كما يقول جودت سعيد هي أدل على نفسها من أي نص كتب عنها أياً كان مصدره، أي ربط الفكر النظري بالواقع، بتأمل قوانين المجتمع، كما هي؟ وكيف تعمل؟ لا كيف يجب أن تكون؟ كما فكر من قبل أرسطو وأفلاطون، وهي نقلة نوعية في الفكر.

والقرآن لفت نظرنا إلى هذا المنطق التجريبي بلفت النظر إلى الكون والأرض كيف سطحت والجبال كيف نصبت والإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت، ومنطق من هذا النوع يعتمد الطبيعة والتاريخ وقراءة من سبق والسير في الأرض كلها منافذ للوعي تقترب من فهم الحقيقة المغيبة عن السطور..

وبمصيبة تتبع فكر أرسطو دفع الطب ثمنا باهظا لهذا، ولولا فيزاليوس لبقي الأطباء يحملون أفكارا خاطئة عن جسم الإنسان، فهو الذي قام بتشريح الإنسان للمرة الأولى، وكان حجرا محجورا، وحسب ديورانت فهو يصف عام 1543 م أنه كان عام العجائب لأنه تم ثلاث اختراقات معرفية في الجسم فشرح، وفي الكوسمولوجيا أي الفلك فانقلب دوران الشمس حول الأرض إلى العكس، وفي الجغرافيا حيث رسمت الأرض الكروية للمرة الأولى بشكل صحيح..

وبالتخلص من منطق أرسطو واعتماد المنهج التجريبي بدأ فرانسيس بيكون وديكارت من بعده وإيمانويل كانط في إطلاق أشعة العقل تبدد سجف ظلام العصور الوسطى، وإنه لنبأ لو تعلمون عظيم.


حفظ طباعة تعليق إرسال
مواضيع ذات علاقة

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الاقتصادية ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر. علماً أننا لا ننشر التعليقات بغير اللغة العربية.

لا يوجد تعليقات

التعليق مقفل