كيف يلتهم المرض الفرعوني الحضارة
kjalabi@hotmail.com
يرى الفيلسوف البريطاني برتراند راسل RUSSEL في كتابه السلطانTHE POWER أن البشر موزعين في ثلاث خرائط بين القادة والأتباع والمنسحبين، وهو يرى القادة في ضوء العقائديين الصادقين أو الفنيين الماهرين، ويضع هتلر وكرومويل ولينين في الخانة الأولى، وينزل نابليون وموسوليني إلى الخانة الثانية، فلم يزد نابليون عن ضارب مدفعية ماهر وقائد عسكري بارع، واستراتيجي معارك لمع على صغر سن، وعاش ديكتاتوريا ومات منفيا بجزيرة تذكر بجهنم، أما هتلر فمات منتحرا، وألقيت عظام كرومويل في المزبلة، ومات لينين بنشاف الدماغ والشلل بعد أن أرسل إلى الموت بتوقيع يديه الملايين.. وكان السبب في مجيء ستالين إلى سدة الحكم فدمر أكثر منه..
ويرى المؤرخ البريطاني توينبي TOYNBEE في دراسته للتاريخ STUDY OF HISTORY أن الحضارات تنطلق بزحف الأكثرية، على وقع خطى الأقلية المبدعة، تمشي على أنغام المزمار.
وتنهار الحضارة، عندما تتحول الأقلية المبدعة، إلى أقلية مسيطرة تسوق الناس بالسياط (كرباج كزركسيس بتعبير توينبي) والذل والرعب والعذاب.
وهو ما لفت القرآن النظر إليه تحت المرض الفرعوني كظاهرة اجتماعية.
وهو اللعن الذي صبه القرآن على فرعون واعدً (الظاهرة الفرعونية) مرض الموت في أي حضارة.
وهذا يعني بكلمة دقيقة أن فرعون ينخلع من كونه شخصاً تاريخياً ليتحول إلى ظاهرة اجتماعية مرضية، وليس الفرعون (بيبي الثاني) الذي عاش في الألف الثانية قبل الميلاد؟!
والمرض الفرعوني لم يتسلط على حضارة وادي النيل منذ مطلعها؛ بل حدث لاحقا وهو أمر يخفى على الكثيرين؛ فيظنوا أن كل الحضارة الفرعونية، وكل الفراعنة كانوا آية في السوء والعذاب وليس الأمر كذلك بل أثناء مرض الحضارة..
وبناء الأهرامات لم يأت من فراغ، ولكنه القدر الرهيب الذي حاق بها لاحقاً، وهو الوقت الذي عاصره (موسى) عليه السلام، وكان الموت قد وضع يده الباردة على حضارة فرعون وما حوت، وباتت تنتظر الدفن، ولكنها بقيت جثة ميتة في عنبر التاريخ 1500 سنة ؟؟ فسبحان مخرج الميت من الحي؛ ذلكم الله فأنى تؤفكون؟
وحسب نظرية (توينبي) ودراسته للحضارة الفرعونية، التي عمرت كأطول حضارة لفترة ثلاثة آلاف سنة، مرت في مرحلتين النصف الأول منها حملت نبض الحياة، أما النصف الثاني فكانت جثة تحتاج إلى من يدفنها لا أكثر، وهي الفترة التي جاء فيها موسى عليه السلام، يواجه حضارة كبيرة مريضة مرض الموت، في سكرات الموت ثم تحولت إلى جثة تنتظر دابة الأرض تأكل المنسأة .
ومن هنا نفهم المغزى الخفي لرسالة موسى، أنه لم يأت لإصلاح المجتمع الفرعوني، وأن رسالته كانت منحصرة بأخذ بني إسرائيل من ماكينة العبودية (أن أرسل معي بني إسرائيل).
وعندما سأل فرعون موسى متعجبا مستنكرا، كيف فر وهو القاتل، ليعود نبيا يحمل رسالة، في محاولة من فرعون لزحزحة موضع النقاش؛ ذكره موسى أن المسألة ليست هنا، عند شخصه، بل استعباد شعب بأكمله، يتطلع إلى الحرية والانعتاق من أصفاد العبودية..
( وتلك نعمة تمنها علي أن عبَّدت بني إسرائيل ).






لا يوجد تعليقات