بداية العالم
kjalabi@hotmail.com
منذ القديم تناول الفلاسفة هذه المسألة: هل العالم قديم أم محدث؟
وإذا كان محدثا فكم عمره؟
بمعنى هل الكون له بداية أم هو أزلي؟
وتعرض لهذه المسألة الفيلسوف ابن رشد فاعتبره محدثا قديما؛ بمعنى أن له سببا نشأ عنه، ولكنه قديم، وهو يختلف بقدمه عن الخالق!
وهو مثل جحا الذي أراد أن يأكل الكعكة ويحافظ عليها!
وبالطبع فهو تورط فلسفي لم يكن الوحيد فيه.
وتخبط الفلاسفة كثيرا في هذا الموضوع، ولم يأت حله على يد أحد من الفلاسفة مهما عظم دماغه واتسعت معرفته، بل جاء من العلم، ومنذ فترة قريبة، على يد علماء الفلك والفيزياء.
وحسب معادلات آينشتاين، التي تقدم بها في النسبية العامة والخاصة، التي طرحها بين عامي 1905 و1911م، مع مطلع القرن العشرين، تبين أن هناك دلالات، تشير إلى توسع الكون، وهو يعني أن له بداية.
فمن كان أكبر الآن، فهو أصغر من قبل، وهكذا إلى الصفر رجوعاً!
وفي عام 1948 تقدم (جورج غاموف) بالأفكار نفسها عن كون يتمطط.
ومن الغريب أنه جاء من العلم النظري البحت ومن بحر معادلات الرياضيات!
وفي عام 1923 تقدم القس البلجيكي (جورج لو ميتر) بفكرة مزدوجة، عن بداية الكون ونهايته؛ فأما بدايته فقال: إنها بدأت مثل انفجار قنبلة عنقودية، في كل الاتجاهات، وأما نهايته فقال: إنه سيموت مثل الشيخ بعد عمر طويل وبهدوء. وقام رياضي روسي هو (ألكسندر فريدمان) بالنظرية نفسها، عن كون يتسع دون توقف.
ثم تقدمت هذه الأبحاث بشكل نوعي، على يد (ادوين هبل) عالم الفلك الأمريكي، الذي كان يدرس الكون، من مرصد متقدم في كاليفورنيا، على جبل ويلسون، واستخدم تقنية معروفة في الصوت، هي ظاهرة (دوبلر) نسبة للعالم النمساوي كريستان دوبلر.
ونحن اليوم نستفيد من التقنية نفسها، في دراسة أعماق البحار، وباطن الأوعية الدموية؛ فنعرف بواسطتها تضييق الأوعية الدموية، وقوة جريان الدم من بطئه. واتجاه جريان الدم، وقوة ترويته للأطراف بالدم.
وجراح الأوعية الدموية اليوم، لا يستغني عن جهاز الدوبلر الذي يكشف له مخططات الدم في العروق. وأحيانا وفي دقائق نقول لجراح العظام الذي لم يتمكن من جس النبض: لا تقلق، فالدم يجري والشريان غير مصاب.
وهي تقنية كنا نبكي عليها عندما كنا أطباء صغارا. وفي ويوم جاءنا رجل رفسه حمار فتورم عضده ولم نعرف كيف نحدد انحباس الدم من جريانه، واليوم نعرفها في لحظات.
وروى لي الدكتور سعادة، رئيس قسم الأشعة في مركز الحبيب الطبي، أن عندهم جهازا جبارا متقدما، يرى الشرايين رأي العين، حتى مع حركة المريض، مثل قصص ألف ليلة وليلة..
ولتبسيط فهم ظاهرة دوبلر نقول: إن أحدنا لو كان في محطة، ويسمع صفير القطار، فإنه يعرف اتجاه قدوم القطار، كما يعرف أن كان القطار يبتعد.
وتميز الأذن البشرية هذا بواسطة الموجات الصوتية.
وأذن البشر تستطيع التقاط الأمواج بين 20 و20 ألف ذبذبة، فهي حساسة جدا. ومع ذلك يسبقنا الوطاويط.
والصوت أو الضوء له موجة.
وعندما يقترب القطار، فإن الموجة تعلو ذروتها وتنضغط على بعضها.
ويحدث العكس مع ابتعاد القطار من المحطة، حيث تنخفض الذروة، وتتباعد الموجات عن بعض، وبهذه الطريقة نعرف مكان الصوت، واتجاهه، وبعده من قربه.
وهذه الميزة تسبقنا فيها الحيوانات، ونحن نعرف عن الفيلة، أنها تلتقط بعض الأصوات، بل وتصدرها لمسافة 16 كيلومترا.
وعن طريقة تقنية الدوبلر، في الألوان التي تبتعد بذيل أحمر، وتقترب بجبهة زرقاء؛ أدرك ادوين هبل أن المجرات جميعاً، تبتعد عن بعضها، في كون لا يكف عن الاتساع.. دون كلل أو ملل.
(والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون).







لا يوجد تعليقات