إسبانيا تجني منافع الهجرة
في الوقت الذي يبدو فيه أن معظم الاقتصادات الرئيسية في أوروبا مبتلاة بالشك والإحساس بعدم الأمان، يبرز بلد واحد وهو أكثر استرخاء وثقة بالنفس: إسبانيا. يحقق الاقتصاد الإسباني نموا جيدا للغاية ـ بلغ النمو في إجمالي الناتج المحلي العام الماضي 3.8 في المائة، أي أسرع بواقع 1.1 نقطة مئوية عن متوسط النمو في منطقة اليورو. والبطالة التي ظلت مرتفعة بعناد لعدة سنوات، تراجعت إلى 8.3 في المائة، وهو أقل معدل لها منذ عام 1979.
وتنعكس هذه الأمور الجيدة في استطلاعات الرأي، بما فيها أحدثها، الخاص بـ "فاينانشيال تايمز/هاريس" الذي يظهر أن الإسبان أكثر ثقة بمستقبل اقتصادهم من نظرائهم الفرنسيين، والألمان، والإيطاليين، والبريطانيين، بل وحتى الأمريكيين. كما أن لديهم موقفا إيجابيا على نحو لافت إزاء الهجرة، إذ ترى نسبة لا تقل عن 42 في المائة منهم أن للعمال المهاجرين ضمن دول الاتحاد الأوروبي أثراً إيجابياً على الاقتصاد الإسباني، مقابل 19 في المائة في كل من بريطانيا وفرنسا.
ويبدو الإسبان حسب معظم المقاييس، في حالة جيدة جداً. وأفادت نتائج مؤشر قياس الرأي العام التي نشرها "مركز التحليلات الاجتماعية" أن أكثر من 80 في المائة منهم راضون، أو راضون للغاية، عن وضعهم الاقتصادي، وأن 90 في المائة منهم أو أكثر يعتقدون أنه سيبقى كذلك، أو يتحسن في العام المقبل.
وأبدت الشركات الإسبانية وبيوت التمويل الدرجة ذاتها من الثقة بالنفس، من خلال سلسلة من غزوات شراء الشركات المنافسة الأجنبية. واشترى بنك ستاندردر "أبي ناشونال" في المملكة المتحدة و"سوفرين" في الولايات المتحدة. وأصبح BBVA الآن رابع أكبر بنك في تكساس بعد سلسلة من الاستحواذات. واشترت مجموعة البنية التحتية "فيروفيال" شركة BAA التي تشغل المطارات البريطانية، لتضيفها إلى محفظتها في تشغيل الطرق التي يدفع السائقون عليها الضرائب في الولايات المتحدة وكندا. واشترت "تيليفونيكا" شركة O2 للهواتف الجوالة في المملكة المتحدة، وتتحدث في هذه الفترة عن احتمالات شراء حصة في "تيليكوم إيطاليا".
إن واحداً من أسرار نجاح إسبانيا يتمثل في علاقاتها مع أمريكا اللاتينية التي تعتبر أرض اختبار ممتازة للاستثمار الأجنبي الإسباني، ومصدراً مفيداً للمهاجرين المتحدثين بالإسبانية.
وكانت سياسة الهجرة الإسبانية أكثر تحرراً من معظم البلدان الأوروبية، إذ أضافت خلال العقد الماضي نحو أربعة ملايين شخص إلى عدد السكان البالغ 40 مليونا. وأثبت أولئك القادمون من أمريكا اللاتينية أنهم أسرع في الاندماج في المجتمع الإسباني. وارتفعت نسبة الأطفال المولودين من زيجات مختلطة من 1.8 في المائة عام 1995 إلى 11.5 في المائة عام 2005.
غير أن الأمور ليست كلها بهذه السلالة. وعلى الرغم مما يبدو من أن الإسبان يدركون المنافع الاقتصادية للهجرة، إلا أن 71 في المائة منهم، حسب استطلاع "فاينانشيال تايمز/هاريس"، ما زالوا يريدون قيوداً أشد على الحدود، ويعتقد 59 في المائة منهم أن في إسبانيا "الكثير الكثير من الأجانب". ويبدو أن ذلك يعكس المخاوف من تزايد الهجرة من إفريقيا.
لكن القصة المهمة تبدو واضحة: إذا أمكن إظهار أن الهجرة تزيد النمو الاقتصادي للجميع، فإن التوترات الاجتماعية يمكن معالجتها. إنها قصة يجب على الزعماء السياسيين في الدول الأوروبية الأخرى، ولا سيما المملكة المتحدة، أن يصدحوا بمضمونها بصوت مرتفع من على أسطح المنازل.






لا يوجد تعليقات