تسجيل الدخول كلمة المرور
مستخدم جديد
الثلاثاء old هـ. الموافق 30 يناير 2007 العدد 4859  

موقع دوري زين لكرة القدم 2010 /2011

انت الآن تتصفح عدد من الارشيف, نشر قبل 1312 يوم . عودة لعدد اليوم
طباعة طباعة
انشر الخبر في الفيس بوك انشر الخبر في تويتر حفظ ارسل لصديق طباعة علق


حب في السعودية .. واقعية فظّة ( 1 – 2 )



 ليس بمقدور الراوي إلا أن يكون شخصية أخرى في قصة ليست قصته، وهذا هو جوهر الورطة السردية التي حاول إبراهيم بادي الالتفاف عليها في روايته "حب في السعودية" حيث أبدى شيئاً من التنازل المصطنع عن بعض صوته، بخدعة أسلوبية ذات مرجعية مسرحية، تواريه خلف شخصية تحاول هي الأخرى كتابة رواية داخل رواية، للتخفيف من تمركز ذاته الفاقعة في عصب الرواية الأصلية، أو هكذا بدا على درجة من الاستعداد لأن يكون مستلباً في مادة روايته الأم، ليستولد شخصية تتقاطع معه حد الإنابة عنه داخل اللعبة السردية، أي ابتداع ذات على هيئة حكاية شخصية مروية.

 ولأنه كان مثقلاً على ما يبدو بوعي أو إحساس "سيري" أقام في منطقة ملتبسة ما بين الأنوية والذاتية، وقد تجلى ذلك من خلال نبرة حوارية عابثة، فيها من الاعتداد بأناه ما يفوق إلحاحية البوح الذاتي، الأمر الذي جعل من حس التوصيف هو السمة الغالبة سردياً، فهو لا يؤدي دور المحلل بقدر ما يتقصد الإخبار بالوقائع الصادمة، ويبالغ في تلوين المشاهد المغوية، دون اعتناء بالتصوير الاجتماعي لحركة الحياة وكثافتها، ودون حفر في الماهيات المدفونة عميقاً تحت مظاهر الشخصيات والوقائع والفضاءات، خصوصاً مع اتكائه على حكايات تدعم شخصياته المتطرفة.

 كأنه بذلك الدفق الوصفي يعادل الرواية بالريبورتاج الصحفي، ليتحول إلى ناقل لحكايات يعتقدها على درجة من السرية والخطورة، فشخصياته لا تبوح بقدر ما يتم استعراضها بلسان السارد، وهو ما يعني انتفاء الرغبة لتحريك ضمير الحكايات وآلية تشكلها، والاكتفاء بإغراء المتلقي بالتوحد مع بطله بعد تعريضه لنوبات من الإثارة الحسية المعبر عنها بطاقة لفظية مبعثرة على سجادة السرد ومبثوثة كحوار تلقائي بين الشخصيات، وذلك من خلال ما يسميه ر. م. البيريس "الاتجاه الواقعي الفظ" حيث حمى الحب التي تجعل من الاستحضار الروائي عالماً عجيباً، فالسرد لا يتشكل تواتره من خلال راوٍ موضوعي، بل تتحرك سياقات الرواية عبر اندفاعات بطل مستهتر وقح، يكاد يكون هو الأس الذي يشكل كل قيمة الرواية.

 وكنتيجة طبيعية لحيلته الأسلوبية تلك، يبدو أحياناً متربعاً فوق النص بسلطة لا تسمح لأي عنصر من عناصر السرد بالتدفق الحر، وفي أحيان أخرى يبدو مطروداً منها، وغير معني أو قادر على التحكم فيها، كما بدا ذلك واضحاً في التكرار الذي غلب على الرواية في آخرها، وفي الدوران داخل حلقة ضيقة، من خلال لغة خطابية استعرض فيها جوانب سلوكية شكلية للتدليل على تجاوز المحظور وتحديه بممارسات صادمة، وكأنه كان يريد أن ينتهي من الرواية بأي شكل من الأشكال حيث بدا التواتر السردي مجرد رواية معادة للمتن ذاته الأمر الذي أدى إلى ضمور حركة الزمن.

 ومن نفس المكمن الذهني صمم شخصية بطله (إيهاب) فجاءت شخصية ممتنعة الوجود، إلا من خلال شاشة تفكيره وأحاسيسه، رغم محاولاته الصريحة والضمنية للتبرؤ من ارتكاباتها، لولا أن لا وعي الرواية يفصح عن شيء من التطابق من خلال الرغبة في التجاوز والتدمير، وعدم الجنوح بفعل الحب إلى المكمن الاجتماعي، بما هو المحل الذي يموت فيه الرومانسي، فقد وصف نفسه بالراوي المتعجرف النرجسي، إلى الحد الذي مجّد بموجبه شكل تلبسه لشخصية الجيغولومان "الرجل المومس" فيما يبدو تحريضاً للقارئ للتوحد به.

 وهذا التمازج المقصود بين ذات ساردة وأخرى مستنفذة لحيل السرد وسطوته، داخل رواية مركبة من سيرتين يراد لهما أن تتطابقا، لا يعني أنه قد أراد أن يروي سيرته الذاتية، بمعنى أن يستعرض نتفاً من حياته من خلال استدماج صوته كراوٍ بصوت بطله، إنما يتعلق الأمر بالحكاية الأخرى، كما يحللها خوسيه ساراماغو من الوجهة الروائية، أي الحكاية العميقة، المتناقضة، التائهة، والتي بدون اسمه الخاص سيصبح من الصعب معرفته، أو لا يجرؤ أحد على روايتها، أو هكذا يبدو الأمر في مطابقة الراوي ما بين الرواية الافتراضية "رجل وخمس نساء" وما يقابلها في رواية "أنا وهي والرواية".

 يبدو هذا الأمر واضحاً عند تأمل كثافة العبارات التي تؤكد على هاجس كتابة رواية متجاوزة، لا تراعي متانة السياق الروائي، بقدر ما تبدي انفعالها بتمزيق النسيج الاجتماعي، وتخطي كل ما تم طرحه سردياً، بمقاربة موضوعات على درجة من الحساسية، ولكن بلغة ليست سافرة بما يكفي أو يتناسب مع جرأة الطرح، لولا بلاغة الحوار المعادل لفعل الكلام، إذ تم تعطيل الحساسية اللغوية اجتناباً للبذاءة ربما، فعبارة مثل "لست أعاني فوبيا المنافسة. ستكون روايتي هي الأجرأ" لا تعطي لإبراهيم بادي فرادة أو أسبقية المقاربة، كما يردد داخل وخارج الرواية، وكأن روايته مجرد منصة لخطاب يستكمله من خلال مقابلاته، لدرجة يبدو أن ما زال يعيش أجواء روايته، ويتحدث بالنيابة عن أبطاله.

 

www.m-alabbas.com

m_alabbas@hotmail.com

عدد القراءات: 440
طباعة طباعة
انشر الخبر في الفيس بوك انشر الخبر في تويتر حفظ ارسل لصديق طباعة علق



لا يوجد تعليقات


  • اضف تعليق
  • ارسل لصديق
التعليق مقفل
اسم المرسل بريد المرسل
بريد المستقبل (يمكن اضافة اكثر من عنوان بريدي، مفصولة في ما بينها بمسافة او فاصلة)
تعليق