تسجيل دخول
نسيت كلمة المرور |  مستخدم جديد
 
الثلاثاء old هـ. الموافق 26 ديسمبر 2006 العدد 4824
آخر الأخبار
انت الآن تتصفح عدد من الارشيف, نشر قبل 2855 يوم . عودة لعدد اليوم

نظرة إلى اقتصاد مزدهر في 2030 .. والسبيل المؤدي إليه

ما الذي سيكون عليه حال الاقتصاد العالمي في 2030؟ لا أحد يعلم. لكن بإمكاننا أن ندرس الوجهة التي تحملنا إليها الاتجاهات الحالية. وبإمكاننا كذلك أن نقيم بعض المخاطر والفرص. وهذا ما يفعله أحدث تقرير للبنك الدولي بعنوان "آفاق الاقتصاد العالمي"*. ولا تقتصر فائدة هذا التقرير على تنظيم أفكارنا حول الموضوع، بل يبعث السرور في أنفسنا ويحثنا على السعي نحو الأفضل.

كان ربع القرن الأخير زمناً من التكامل لا مثيل له في الاقتصاد العالمي. وحدث ذلك بفضل تقدم التكنولوجيا وانهيار قصور الرمل الاشتراكية أمام موجة التحرر الاقتصادي. وكما يذكر التقرير "ارتفع الدخل العالمي إلى الضعف منذ عام 1980، وخرج 450 مليون شخص من وهدة الفقر المدقع منذ عام 1990، وأصبح متوسط الأعمار الآن في البلدان النامية 65 عاماً".

وسارت العولمة كذلك بخطوات متسارعة. فخلال الفترة من 1970 حتى 2004، تضاعفت نسبة الصادرات إلى الناتج العالمي، وأصبحت تزيد على 25 في المائة. وانتشرت التكنولوجيات الجديدة بسرعة في جميع أنحاء الكوكب. وفي 2004 وصل إجمالي التمويل الخاص في الدول النامية إلى ألف مليار دولار تقريباً. واستمرار هذه الاتجاهات لهو أمر لافت للنظر إلى حد كبير. فضلاً عن ذلك، نلاحظ أن من بين السمات المشجعة في الفترة الأخيرة هناك تسارع في مستوى النمو في دخل الفرد في البلدان النامية، وذلك مع ارتفاع معدلات النمو في جنوبي آسيا، ومع ازدياد وزن شرقي آسيا في المجموع الكلي.

فما الذي سيكون عليه شكل العالم في 2030؟ يحلل التقرير حالة أساسية لا تنطوي على أي تغييرات ذات بال في بيئة السياسة الاقتصادية. ويمكن أن نعتبر ذلك وكأنه من قبيل "سير الأعمال على النحو المعتاد".

أولاً، سيتضاعف حجم الاقتصاد العالمي بالمعدلات الحقيقية، في حين يتضاعف إجمالي ناتج البلدان النامية ثلاث مرات، ما يرفع حصتها في إجمالي الاقتصاد العالمي من 23 إلى 33 في المائة (بأسعار السوق الثابتة). وسيقترب متوسط دخل الفرد في شرقي آسيا وجنوبيها وفي أوروبا الشرقية والوسطى من دخل الفرد في البلدان ذات الدخل العالي (بمعادل القوة الشرائية). مثلا، سيرتفع دخل الفرد في الصين (بمعادل القوة الشرائية) من 19 إلى 42 في المائة من متوسط دخل الفرد في الدول ذات الدخل العالي. لكن المعدلات في البلدان الإفريقية الواقعة جنوب الصحراء ستظل أدنى من المعدلات المذكورة إلى حد كبير.

ثانياً، ستظل العولمة قوة دافعة. وسترتفع نسبة الصادرات من الناتج العالمي لتصل إلى 34 في المائة. وسيتواصل التكامل المالي، رغم أن البلدان النامية ستظل معتمدة إلى حد كبير على مدخراتها هي نفسها. وستواصل التكنولوجيا انتشارها في مختلف أنحاء المعمورة.

ثالثاً، ستحدث تغيرات لا بأس بها في توزيع الفقر والدخل. وسيهبط عدد الأشخاص الذين يعيشون على أقل من دولار في اليوم (بمعادل القوة الشرائية) من مستواه الحالي البالغ 1.1 مليار شخص، ليصل إلى 550 مليون شخص. وسيهبط عدد الأشخاص الذين يعيشون على أقل من دولارين في اليوم، وهم 2.7 مليار شخص، إلى ما دون 1.9 مليار شخص. وسيتركز الفقر في إفريقيا بمعدلات تفوق المعدلات الحالية بكثير. فبحلول عام 2030 ستنخفض حصة شرقي وجنوبي آسيا في أفقر عُشر من سكان الكرة الأرضية من 60 في المائة (بمعدلات عام 2000) إلى 30 في المائة، في حين ترتفع حصة بلدان إفريقيا جنوب الصحراء 30 في المائة حاليا، لتصل إلى 55 في المائة. فضلاً عن ذلك، ستظهر إلى حيز الوجود في البلدان النامية طبقة عالمية وسطى (الأشخاص الذين يراوح دخلهم بين متوسط الدخل الحالي للفرد في البرازيل ودخله في إيطاليا)، وسيصل عدد أفرادها إلى 1.2 مليار شخص، بعد أن كان 400 مليون شخص عام 2000.

لكن ما هي جوانب الخلل التي يمكن أن تصيب هذا التحليل؟ الجواب هو التهديدات التي لا تخفى على أحد، وهي ظهور ردة فعل عنيفة من الحمائية، أو القيود البيئية، أو انتشار الأمراض الوبائية، أو الحروب.

أحد مصادر الحمائية ما نراه من ضغط يعمل على تقليص المزايا النسبية للعمالة غير الماهرة. لكن هناك مخاوف من أن الصين والهند ربما يأتي عليهما زمن تسيطران فيه على الصادرات العالمية في البضائع والخدمات ذات التكنولوجيا العالية.

إن كون العمالة غير الماهرة في وضع سيئ في كل مكان تقريباً، يوحي بأن التكنولوجيا، وليس التجارة، هي أقوى قوة دافعة الآن. ومرة أخرى يبرز دور الصين والهند، كون المستوى المتدني للأجور فيهما إنما يعود إلى هبوط متوسط الإنتاجية فيهما. ويذكر التقرير أن أحد الأسباب وراء ذلك هو أنه لا يزال لديهما مؤسسات رديئة. ولهذا السبب، ولغيره من الأسباب الأخرى، فإن العالم أقل "تسطيحا" بكثير مما يرى توماس فريدمان، محرر الشؤون الخارجية في صحيفة "نيويورك تايمز". (في إشارة إلى كتاب فريدمان "العالم مسطح"، الصادر عام 2005، الذي جادل فيه بأن الساحات التنافسية بين الدول الصناعية والأسواق الناشئة تتقارب بفعل العولمة). فضلاً عن ذلك، فإن هذين العملاقين سيخلقان فرصاً جديدة للصادرات لأسواقهما. كما أن الأجور فيهما تشهد حالة من الارتفاع. فقد ارتفعت الأجور الحقيقية في الصين بنسبة 110 في المائة بين عام 1989 وعام 2004.

ولا يبدو من المرجح أن تعمل القيود البيئية أو الأمراض على إيقاف الاقتصاد العالمي خلال ربع القرن المقبل، رغم أن من الممكن أن يؤديا إلى صعوبات محلية أو مؤقتة. ويبدو أن الخطر الأكبر من البيئة أو الأمراض سيكون الحروب، بما فيها الحروب غير المتكافئة التي تستخدم فيها الأسلحة النووية أو البيولوجية، كما ثبت لنا من أحداث الفترة من 1914 إلى 1945، التي شهدت مجموعة من الكوارث. لكن علينا ألا ننسى أن الحروب هي من التهديدات التي يصعب وضعها في صورة كمية.

وفي المقابل من المهم أن ننظر إلى ما يمكن أن يسير سيراً حسناً. فخلال ربع القرن الماضي أظهر الاقتصاد العالمي قدرة عجيبة على النجاة من الأزمات المالية والحروب والجيشان الجيوبوليتيكي. فضلاً عن ذلك، طرأ تحسن (بطيء وغير منظور في الغالب) على السياسات الاقتصادية في البلدان النامية، وتعلمت البلدان الأشياء الضرورية اللازمة للاستفادة من تكاملها في اقتصاد السوق العالمي.

لاحظ أنه في أوائل ثمانينيات القرن العشرين لم يكن أحد يتخيل أن الصين والهند ستظهران هذا القدر من النمو الذي شهدناه منذ ذلك الحين. وربما تنضم إلى الركب دول إفريقيا جنوب الصحراء والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية خلال ربع القرن المقبل. بل إن تطور العملاقين الآسيويين هو نفسه سيفتح آفاقاً جديدة للفرص في البلدان المذكورة.

والحالة الأساسية التي اعتمد عليها التقرير هي تصوره أن يكون نمو الدخل الحقيقي للفرد في البلدان النامية بمعدل 3.1 في السنة خلال ربع القرن المقبل. لكنه يدرس كذلك تصوراً آخر بنسبة أعلى، يفترض أن نمو دخل الفرد في تلك البلدان سيبلغ 4.1 سنويا. وسيعمل هذا على توليد دخل سنوي إضافي للبلدان النامية مقداره عشرة آلاف مليار دولار بحلول عام 2030، أي بزيادة نسبتها 44 في المائة على السيناريو القائم على الحالة الأساسية. وتحسن الأداء الذي حدث على نطاق واسع إلى حد ما في السنوات الأولى لهذا القرن، يوحي بأن هذا السيناريو المرتفع أمر معقول.

فما هي الأمور التي ينبغي عملها لتحقيق الأداء الفائق الذي من هذا القبيل؟ الجواب المباشر على ذلك هو توليد معدل نمو أعلى في اقتصاد المناطق ذات المعدلات المتدنية. ويجب تركيز الجهود على مساعدة هذه البلدان في اكتساب ما تحتاج إليه من الأمن والموارد البشرية وغير ذلك، من المؤسسات والسياسات. وآسيا تضيء الطريق في هذا المضمار. ويتعين على بقية العالم أن يسير على هذا النحو.

لكن هناك أمر لا يقل أهمية عن ذلك، وهو وجود بيئة اقتصادية وسياسية عالمية من الاستقرار والتعاون. فقد أظهر الاقتصاد العالمي أن بمقدوره النجاة من الاضطرابات العنيفة، بل تمكن حتى من النجاة من كوارث القرن العشرين: حربين عالميتين، وحرب باردة، وثورات عنيفة، وطغيان شيوعي. لكن يجب أن نبذل أقصى ما لدينا لتجنب تكرار ذلك، خصوصاً في عالم اليوم النووي. فهل تستطيع الإنسانية إدارة شؤونها على نحو من التعقل؟ نعم تستطيع. لكن هل ستقوم بذلك فعلا؟ هذا هو السؤال المهم الذي نحتاج أن نطرحه على أنفسنا.

ــــــــــــــــــــ

*Global Economic Prospect: Managing the Next Wave of Globalization, www.worldbank.org


حفظ طباعة تعليق إرسال
مواضيع ذات علاقة

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الاقتصادية ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر. علماً أننا لا ننشر التعليقات بغير اللغة العربية.

لا يوجد تعليقات

التعليق مقفل