مهزلة العدالة الأرضية
kjalabi@hotmail.com
مع الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية أملى هتلر وصيته الأخيرة وأنحى باللائمة على اليهود في كل ما حدث، ثم سلم مودعاً رفاق الحزب النازي فردا فردا على طريقة قبائل التيوتون الجرمانية مستقبلاً الموت بكل تصميم. وأخيراً، عقد قرانه على عشيقته (إيفا براون) فأصبح زوجا للمرة الأولى في حياته. وثم جرّب سم السيانيد على كلبه المدلل فمات لفوره، ثم أخذ بيد زوجته فانفردا لساعات في غرفة. ثم أعطى المسدس لعروسه مع حبوب السيانيد، فلم تقو على ضرب رأسها بالرصاص واكتفت بابتلاع السم، أما هتلر، فختم حياته منتحرا بطريقة مضاعفة بالسم والرصاص معاً.
كل ذلك جرى والمقاومة مستمرة ضد الشيوعيين على بعد مائة متر من دار الاستشارية التي اختبأ فيها هتلر. ومات في معركة برلين نحو ثلاثة ملايين إنسان. ووصية هتلر الأخيرة كانت ألا يبقى منه أثر.
وهي مقارنة تصلح بين سقوط بغداد عام 2003م وبرلين عام 1945 ونهاية هتلر وصدام. فصبوا عليه وزوجته البنزين فأصبحا حلقات من دخان. وفعل جوبلز وزوجته الشيء نفسه فسمما أولادهما الستة. فالحياة بعد هتلر لا تستحق أن يعيشها المرء. إلا أن البنزين لم يكف فعثر عليه الروس محترقا مشوهاً وهي تروي الفارق بين جوبلز والصحاف. وهذه القصة تظهر نهاية هتلر والنازيين ونهاية صدام والبعثيين الفاشيين. ولكن هل انتهى كل الطغاة بالطريقة نفسها؟
وعلى فرض أن صدام أعدم، أو أن الملك فاروق وضعوه على الخازوق، أو أن ستالين قطعوا رأسه بالساطور؟ فهل سيعدل قتل باقر الصدر ومصرع البنا أو إرسال 800 ألف من أهل أوكرانيا إلى الإعدام؟ فهناك من قتل في ليلة واحدة ألف سجين سياسي أعزل في سجن صحراوي. وفي تزمامارت مات العشرات ألف ميتة بالجنون والمرض أو في حفلة نهش لمجموعة من العقارب؟ ومات الفاعل في عزة وشقاق فأي عدالة أرضية ستضع الموازين القسط؟
وفي يوم ألقى الإسكندر القبض على قرصان عاث في البحر فسادا فبدأ في توبيخه: أيها الإرهابي لقد أفزعت الناس؟ قال له القرصان: أنا أغير بسفينة صغيرة فأسمى قرصانا، وأنت تنهب كل البحار وكل الناس بأسطول كبير فتسمى إمبراطوراً، فهذا هو الفرق بيني وبينك.
فهذه هي قصة روما الجديدة والديكتاتوريين الصغار الذين يستمدون شرعيتهم من الديكتاتور الأكبر أمريكا، فأمريكا تنتجهم ثم تقتلهم بالذريعة نفسها.
وحزب البعث جاء إلى السلطة بقطار أمريكي ثم دفن بدعوى الديموقراطية. والديموقراطية في بلاد العروبة كما يقول (أرسطو) ليست ديموقراطية (Democracy) بل موبوقراطية (Mobocracy) أي حكم الغوغاء. وليس هناك مكان تغتال فيه الجماهير مثل الجماهيريات. وليس هناك من مكان يلعن فيه الشعب مثل المكان الذي ينادى باسمه.
وتشبه قصة صدام حكاية (فرانكنشتاين فأصبح عدوا وحزنا لمن بعثه من مرقده فقتله كما قتل دوللي من جاء بها إلى الحياة تسعى.
إنها مهزلة العدالة الأرضية، وصدام لاعب صغير في هذه المسرحية الهزلية.
وبالطبع فصدام اليوم جاهز للإعدام مثل النازية، ولكن لو انتصر صدام أو عبد الناصر أوهتلر، لخشعت لهم الجماهير فلا تسمع إلا همسا.
وكما يقول (جوستاف لوبون) في كتابه (سيكولوجية الجماهير) إن الفرد لوحده يكون مستقلاً عاقلاً يتمتع بالقدرة على النقد فإذا انخرط بين كتلة الجماهير فقد استقلاليته وطاش لبه وماتت الحاسة النقدية عنده.
وهذه الجماهير التي وضعت الأحذية في فم تمثال صدام هي التي كانت ترقص له وتقبل يده وكتفيه ولو عاد لعادوا وإنهم لكاذبون؟
فهذه هي مهزلة العقل البشري.







لا يوجد تعليقات