الآمال تتعثر في بورصة دبي المالية العالمية
حينما أنشئت بورصة دبي المالية DIFX للمرة الأولى في خريف 2005، ارتفعت الآمال حول هذه المنصة الجديدة إلى مستوى لا يقل تقريبا عن سعر النفط العالمي.
ووسط إقبال منقطع النظير، أعلنت البورصة الجديدة عن طموحها لأن تصبح المركز العالمي الجديد لأسواق المال في المنطقة، بعد أن تم تصميمها على غرار منصات الأوراق المالية العالمية، مثل سنغافورة ولندن.
لكن بعد مضي عام واحد بدأت هذه الوعود الخلابة تتحول إلى مجرد سراب. فمنذ تدشينها استطاعت بورصة دبي المالية العالمية إقناع 16 مصرفا بالانضمام إلى منصة التداول التابعة لها، بما فيها أسماء عالمية مثل "مورجان ستانلي" وHSBC.
ويعكف العديد من مؤسسات الاستثمار هذه على إنشاء مكاتب لها بالقرب من البورصة، الواقعة داخل مبنى رائع وغريب الشكل يعرف بـ "البوابة"، استوحي تصميمه من قوس النصر في باريس. وفي وقت مبكر الشهر الماضي، وافق "دويتشه بانك" على أن يكون أول صانع سوق في البورصة. وحسب بير لارسون الرئيس التنفيذي لبورصة دبي: "هذا يعني أن بوسعنا الآن ضمان السيولة، حتى ولو كان حجم التداول متدنياً".
لكن على الرغم من وصول مصرفيّ الاستثمار – الذين يبدون متشوقين لمارسة نشاطهم – فإن فرص التداول تبدو قليلة. فحتى الآن ثم إدراج نصف دزينة فقط من الأسهم في البورصة. وعلى الرغم من أن مجموعة من السندات وأدوات الاستثمار تم إدراجها أيضاً، إلا أن هناك بطئا شديدا في عملية التداول، عدا فورة مفاجئة وقصيرة في نشاط أسهم "فنادق المملكة" ـ مجموعة سعودية ـ في مستهل الصيف.
ويؤكد المتفائلون – ومسؤولو حكومة دبي – أن ذلك يعكس التوقيت فقط. ويشيرون إلى أن تأسيس بورصة من الصفر ليس بالأمر اليسير، فقد مضت عدة أعوام قبل أن تحصل بورصات مثل سنغافورة على الطابع العالمي. ويقول لارسون في مقابلة مع "فاينانشيال تايمز": "بورصة دبي المالية العالمية أحرزت تقدماً ملموساً في وقت وجيز".
وعلاوة على ذلك، يجب أن تكون هناك أسباب هيكلية مقنعة لتوقع إمكانية توسع بورصة دبي. ومع وجود المنطقة حالياً في مرحلة مخاض لطفرة اقتصادية، فهي في أمس الحاجة إلى أساليب لإعادة تدوير مواردها الجديدة من الثروة النفطية الكبيرة – وتم بالفعل الفراغ من خطط تمويل مشاريع البنى التحتية. ولا توجد حاليا منصة عالمية كبرى أخرى للأوراق المالية في المنطقة الممتدة من لندن إلى سنغافورة. ويتيح ذلك لبورصة دبي المالية العالمية مساحة واسعة لملئها – ولاسيما أن البورصات الإقليمية الموجودة حاليا في الشرق الأوسط محدودة الوظيفة، وغالبا محظورة على الغرباء.
لكن هذه العوامل التي تعتبر لمصلحة بورصة دبي المالية العالمية توازيها أيضا بعض المشاكل. فمنذ أن بدأت دبي صياغة خططها الخاصة لإنشاء البورصة لأول مرة، في مستهل العقد الجاري، شرعة الحكومات في السعودية، والبحرين، وقطر جميعا في مساع ترمي إلى جذب أنشطة أسواق المال العالمية.
ويؤكد المسؤولون في بورصة دبي المالية العالمية أن هذه المراكز جميعها يمكن أن تتعايش بعضها مع بعض – ويشيرون إلى أن مركزهم وحده هو المنصة (العالمية) الحقيقية المنظمة والمدارة بواسطة مجموعة قوانين مطابقة للمعايير العالمية، وليس القوانين المحلية السائدة في الإمارات العربية المتحدة.
لكن إذا أقدمت الرياض على إطلاق بورصة عالمية، فإن الحجم الهائل لاقتصادها المحلي يمكن أن يمدها بعضلات أكثر قوة من دبي. وحتى قبل أن تحين تلك اللحظة، فإن وجود مواقع مجزأة للسيولة في الشرق الأوسط يجعل من الصعوبة بمكان بالنسبة إلى بورصة دبي المالية العالمية أن تكتسب نفوذاً إقليميا.
وما يجعل الوضع أسوأ، هو أن من غير الواضح إلى حد بعيد أن المصدرين، أو المستثمرين المحليين يرغبون حقيقة في التقيد بمعايير سوق مال رفيعة تنوي بورصة دبي تطبيقها في عمليات الإدراج.
ويتذمر أحد المسؤولين لدى شركة مدرجة في البورصة، يشعر بالإحباط من جراء النتائج، قائلا: "لوائح بورصة دبي معقدة للغاية ومكتوبة بلغة أجنبية. الذوق المحلي متعود على اللوائح المكتوبة باللغة الغربية، طعام بسيط وخدمات زهيدة الثمن".
ومن جانبه، يبدو لارسون عاقدا العزم على المقاومة. فقد وصل إلى مركزه الحالي قبل أربعة أشهر فقط، بعد أن غادر الرئيس التنفيذي السابق بشكل غير متوقع، إثر مشادة حدثت داخل البورصة. ويعكف لارسون حاليا على صياغة استراتيجية جديدة تعطي أهمية أكبر للمستثمرين والمصدرين المحليين، بدلاً عن مجرد اللهث وراء الأسماء العالمية الشهيرة.
ويقول: "نحن الآن نحصل على الدعم من منظمي (الإمارات) لتمكين مستثمري التجزئة (في الإمارات) من الوصول إلى بورصتنا، وهو أمر مهم للغاية". ويضيف: "مستثمرو التجزئة سيصبحون أحد أصحاب المصالح الرئيسية لدينا".
وتبذل بورصة دبي المالية العالمية أيضا جهوداً مضنية من أجل جذب الشركات الوطنية إلى منصة التداول – وتسعى إلى حل مشكلة التشظي الإقليمي عن طريق تشجيع الشركات على تنفيذ عمليات إدراج مزدوجة لدى بورصات إقليمية أخرى. ويرى لارسون "أن مشاركة المستثمرين والشركات الإقليمية مهمة للغاية". ويضيف: "نود أن نعمل بوابين للمنطقة بالنسبة للشركات الدولية، مثل بنوك الاستثمار، ومساعدة الشركات المحلية على إدراج أسهمها، ربما عن طريق عمليات إدراج ثانوية".
وفي الوقت نفسه تحاول بورصة دبي توسيع عناصر جذبها عن طريق تشجيع تداول منتجات غير مرتبطة بالأسهم على منصة التداول التابعة لها، باستخدام نظام يسميه لارسون "التنويع من سوق إلى سوق" (إيجاد قنوات منفصلة لتداول المشتقات، السندات، أو الأسهم).
ويقول: "في أوروبا، عندما تحاول التنويع، تبدأ بورصة جديدة. لكن ليس ذلك ما نخطط له. لدينا منصة تداول مرنة للغاية ونظام قانوني، وسنستخدمهما في البورصة نفسها، لكن مع التنويع". ويتابع: "قلنا إننا نريد تطوير المشتقات، وعلى الأرجح سنشرع في ذلك بنهاية عام 2007".
وإذا ما كانت هذه الاستراتيجية سيكتب لها النجاح – وضمان امتلاء المكاتب الغالية في مبنى البوابة – فهذا ما ننتظر لنرى ما سيكون عليه الحال. لكن طالما استمرت الطفرة الاقتصادية الإقليمية، فإن بنوك الاستثمار الغربية لديها فيما يبدو الرغبة في إعطاء الفرصة للبورصة لإثبات صدق توجهها.
ويعترف لارسون: "أعرف أن التحدي الماثل أمام بورصة دبي في الوقت الحاضر هو جذب عمليات الإدراج والأعضاء وإنشاء شبكة توزيع للوصول إلى المستثمرين". ويختم: "لكننا نتقدم ولدينا خط ابتكار شيق للعام المقبل".







لا يوجد تعليقات