مشكلة أوروبية..الإصلاحات أم الحوافز؟
لا تصلح الحوافز الاقتصادية الكلية بديلاً عن الإصلاحات العمالية
تحدت أوروبا العجوز التوقعات في مباريات كأس العالم، حيث هزمت إيطاليا وفرنسا وألمانيا والبرتغال الفرق المفضلة والفرق الصغيرة الطامحة لاحتلال مراكز البطولة الأربعة الأولى. فيا ليت أن اقتصاد منطقة اليورو يمكن أن يعطينا مفاجأة من هذا القبيل.
ولكن هذا لا يعني أن ننكر أن الأخبار سارة، حتى الآن. فقد كان النمو الاقتصادي متسارعاً، إلى درجة أن الضغوط التضخمية آخذة في التصاعد، حتى أن جان كلود تريشيه، رئيس البنك المركزي الأوروبي، ألمح بصوت مرتفع تماماً إلى أن أسعار الفائدة سترتفع ثلاثة أرباع نقطة مئوية لتصبح 3 في المائة في الاجتماع الصيفي الهادئ عادة والذي سيعقد في 3 آب (أغسطس) المقبل.
كما أن هناك دلائل على أن أوروبا تعتزم إعادة اكتشاف سلامة الرأي والحكم في مجال المالية العامة. فمنذ البدء باستخدام اليورو، تجاوزت كل من البرتغال وفرنسا وألمانيا واليونان وإيطاليا وهولندا النسبة المسموح بها من العجز في الموازنة (التي يجب ألاّ تتجاوز 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي). ويبدو أن معظم هذه الدول مصممة على إصلاح الوضع. فألمانيا على سبيل المثال تنوي رفع ضريبة القيمة المضافة ثلاث نقاط مئوية لتصبح 19 في المائة.
ولكن مع وجود التشدد في السياسة النقدية وفي مجال الموازنة العامة، ومع ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي بنسب لا تزيد على 2 في المائة، فما الجوانب التي يرجح أن يأتي منها تحفيز النمو الاقتصادي؟ أغلب الظن أنها لن تأتي من ضعف اليورو. لاحظ أن قيمة اليورو ارتفعت أمام الدولار، وهو دلالة على التوقعات بأن البنك المركزي الأوروبي سيتخذ سياسة متشددة، إلى جانب أن العجز في الميزان التجاري الأمريكي سيؤدي على المدى الطويل إلى المزيد من الهبوط في قيمة الدولار.
ولكن الحقيقة المؤلمة ستظل حقيقة يعرفها الجميع، وهي أن الحوافز في الاقتصاد الكلي لن تعيد المسنين إلى حلبة القوة العاملة، كما أنها لن توجد الكثير من فرص العمل الجديدة أمام العاطلين عن العمل. وتجمع التوقعات على أن نسبة البطالة في منطقة اليورو ستبلغ 8.1 في المائة هذا العام، مقارنة بنسبة 3 في المائة في المملكة المتحدة و4.7 في المائة في الولايات المتحدة. وتشير حسابات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى فجوة الدخل بين الولايات المتحدة ومنطقة اليورو (يبلغ معدل دخل الفرد الأمريكي تقريباً مرة ونصف المرة من دخل الفرد في منطقة اليورو بمعادل القوة الشرائية) لا يوجد لها شأن يذكر بالفروق في الإنتاجية، وإنما لها علاقة كبيرة بالعاملين العاطلين عن العمل أو الذين لا يعملون بكامل طاقتهم. والدليل على ذلك ما نراه في فرنسا وإيطاليا وألمانيا.
ثم إن علاج الوضع معروف للجميع كذلك. يجب على العاملين الأوروبيين أن يقبلوا بأن الثمن الذي سيدفع مقابل إيجاد فرص عمل جديدة هو قدر أكبر من المرونة يسمح بالتخلص من الوظائف القديمة. وحسب تقرير للبنك الدولي، فإن فصل عامل في ألمانيا يكلف ما يعادل راتب 67 أسبوعاً. وهذا يمكن أن يحمي العمال الذين على رأس عملهم، ولكنه لا يحمي الباحثين عن العمل. وكانت نسبة البطالة 11.7 في المائة في العام الماضي. والعمال الذين يمكن فصلهم عند الضرورة سيتم توظيفهم بكل ثقة.
وكان تعافي منطقة اليورو من الكساد الذي شهدته المنطقة في عامي 2002 و2003 بطيئاً، لأن أرباب العمل كانوا عازفين عن توظيف عمال لا يستطيعون التخلص منهم مع أول بوادر تشير إلى تراجع النمو الاقتصادي.
جدير بالذكر أن انعدام الثقة في التعافي يصبح هو نفسه عاملاً في تأخير هذا التعافي حين تكون أسواق العمل جامدة. ولذلك فإن الإصلاحات تكتسب أهمية فائقة لأن بقية العالم يشهد نمواً اقتصادياً وتغيراً سريعاً.
المرونة إذن شرط ضروري للاستفادة من الفرص التي تقدمها العولمة. ومن دون هذه المرونة تتعفن الصناعات القديمة وتعجز الصناعات الجديدة عن النمو.
إن الإصلاح صعب ولكنه ليس مستحيلاً. وأثنت منظمة التعاون على عدد من التوجهات في بعض البلدان لتقليص الضرائب على العمال من أصحاب الدخول الضعيفة، وتقليص الحماية للوظائف المؤقتة (وهي حماية تحدث نتائج عكسية).
كما وجد البنك الدولي أن عملية انضمام دول جديدة إلى عضوية الاتحاد الأوروبي كانت سبباً في عدد من الإصلاحات في الدول الجديدة وفي الدول الأعضاء في الاتحاد. ولذلك فإن المضي قدماً في هذا الطريق بحاجة إلى زعامة تتمتع بالكفاءة ورجاحة الرأي.
سيكون بطلا المباراة النهائية في كأس العالم من العمالقة القدامى، هما زين الدين زيدان وفابيو كانافارو. ونحن نتعشم أن يكون قادة أوروبا السياسيون على هذا القدر من البصيرة.






لا يوجد تعليقات