سوق حقيقية للطاقة
الجميع مهووسون بأمن الطاقة هذه الأيام. ويظهر ذلك من تخوف الولايات المتحدة من أن اعتمادها على النفط العربي تحديداً أمر غير مأمون من الناحية السياسية، أو من المخاوف التجارية لكل من الهند والصين في اعتمادهما إلى حد كبير على الطاقة المستوردة لتشغيل اقتصاديهما المتناميين الضخمين، أو من التخوف الأرحب من المخاطر المناخية للوقود الأحفوري.
وفي ظل هذه الظروف، تشعر الحكومات بإغراء قوي للقول إن أمن الطاقة من الأهمية بمكان بحيث لا يمكن تركه تحت رحمة عوامل السوق. وكان هذا هو موقف الهند والصين، حيث أعطت كل منهما تعليمات إلى شركات النفط الحكومية فيها للبحث بشكل أقوى عن احتياطيات النفط الأجنبية، وموقف عدد من الحكومات الأوروبية في تقوية وحماية شركات الطاقة لديها باعتبار الواحدة منها بطلاً قومياً. وليس بمقدور السياسيين الانسحاب بكل بساطة إذا كان هناك خطر حقيقي بانطفاء الأضواء. وليس بمقدورهم كذلك التعامل مع الطاقة من مبدأ الاستنفاذ التام، أو الحرق، لأسباب تتعلق بالتلوث البيئي. لكن هناك ثلاث طرق تستطيع فيها السوق، أو آليات السوق، زيادة أمن الطاقة.
الأولى، استخدام الأداة السوقية المعروفة باسم "السعر" لتثبيط الهدر. وينبغي اتباع هذه النصيحة بشكل خاص من قبل الكثير من الدول النامية التي لا تزال تقدم الدعم المالي لأسعار منتجات النفط، ومن قبل الولايات المتحدة، التي هي أكبر مستهلك للنفط في العالم، ومع ذلك لا تزال ترفض فرض ضرائب على البنزين بالشكل السليم. وإنه لأمر غريب بالنسبة لدولة تحمل لواء الرأسمالية في العالم أن تعزف عن استخدام الآلية الضريبية لضبط الأسعار وتفضل عليها نظاماً إدارياً يقوم على مقاييس الكفاءة في استخدامات الوقود، وهو إجراء من شأنه أن يعلي من قدر لجنة التخطيط الحكومية في الحزب الشيوعي السوفياتي ويجعلها أهلاً للثناء العاطر، بل إن هذه اللجنة كانت ستفرض الضوابط المذكورة على ديترويت بكفاءة أعلى مما هو في مقدور البيروقراطيين الأمريكيين.
الثانية، إدراك أن السوق مصدر للأمن وواقية من الصدمات. وتذكر الحقيقة التي تقول كلما كبرت السوق ازدادت قدرتها على امتصاص قدر أكبر من الصدمات. لكن لا يزال كل من الولايات المتحدة وأوروبا تسعى دون طائل لإنشاء سوق واحدة كبيرة للطاقة. وفيما عدا فترة قصيرة في أعقاب أعاصير الصيف الماضي، لم تعلق الولايات المتحدة مواصفات البنزين التي تختلف من إقليم لإقليم وتقسم السوق الأمريكية إلى قطعات. أما في أوروبا فقد اضطرت بروكسل إلى اتخاذ إجراءات قانونية بحق ما لا يقل عن 17 حكومة من الحكومات الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، لإخفاقها بشكل أو بآخر، في فتح أسواق الطاقة فيها أمام بعضها البعض.
والثالثة، إعطاء السوق أكبر دور ممكن في مساندة الأنواع الجديدة من الطاقة. وهذا يعني إعطاء الدعم للسوق، ليس على شكل معونات مالية (باستثناء معونات الأبحاث)، وإنما من خلال الآليات التي تسمح لقوى السوق، وليس للبيروقراطيين، بتحديد أكثر الأشكال تنافسية للطاقة الجديدة. وتتمتع أوروبا فعلاً بآلية على هذه الشاكلة، تجعل السعر الذي يتم بموجبه تبادل الحوافز لتخفيض التلوث يصبح من الناحية العملية نوعاً من الضريبة على المنتجات الهيدروكربونية. ويغطي هذا النظام عما قريب عدداً آخر من الدول الموقعة على بروتوكول كيوتو.
ومن شأن هذه الضريبة على المنتجات الهيدروكربونية أن تعمل عمل حافز واسع ومحايد لأنواع الوقود غير الهيدروكربوني: سواء كان ذلك الوقود نووياً أم من الطاقة المتجددة. والجميل في هذا الترتيب، بالنسبة للسياسيين المترددين في المساندة العلنية للطاقة النووية، هو أن بإمكان السوق أن تتخذ القرار عنهم.






لا يوجد تعليقات