انتخاب برودي نبأ غير سار لليورو
كان النصر الانتخابي الضيق الذي حققه تحالف يسار الوسط بقيادة رومانو برودي أسوأ نتيجة يمكن تصورها فيما يتعلق بفرص إيطاليا في البقاء في منطقة اليورو بعد عام 2015. وأتوقع أن يبدأ المستثمرون الدوليون بتقديم رهانات تتصف بالتخمين على عضوية إيطاليا في اليورو خلال فترة حكومة برودي.
وهذه الرهانات ليست حول التزام برودي إزاء اليورو، إذ من الصعب إيجاد سياسي أكثر تأييداً لأوروبا من الرئيس السابق للمفوضية الأوروبية. إنها رهانات على الظروف الاقتصادية التي يمكن أن تجبر حكومة ما على اتخاذ قرارات لا يمكن التفكير فيها إلا في اللحظة التي تصبح فيها حتمية.
إننا نعلم جميعاً أن اقتصاد إيطاليا يواجه ورطة عميقة. لكن من المهم أن نتذكر أن مشاكل إيطاليا تختلف عن تلك التي تواجهها فرنسا وألمانيا. وتعاني العديد من اقتصادات القارة من النمو الضعيف وارتفاع نسبة البطالة. وتعاني إيطاليا من النمو الضعيف أيضاً، رغم أن عملية خلق الوظائف الخاصة بها كانت مذهلة. إن مشكلة إيطاليا تتمثل في غياب الاستعداد للعيش في اتحاد نقدي.
ومنذ إطلاق اليورو عام 1999، مرت إيطاليا بعملية تقييم مذهلة لأسعار التبادل الحقيقية الخاصة بها. وارتفعت تكاليف وحدة العمل لديها بنحو 20 في المائة مقارنة بألمانيا. وفي حين أن الأجور في ألمانيا تتجاوب مع الطلب المتصاعد، تستمر الأجور في إيطاليا بالارتفاع بنسبة 3 في المائة سنوياً. وتعاني إيطاليا أيضاً من مشكلة التنافسية في السعر في عدة قطاعات اقتصادية. ويجب أن يركز أي برنامج إصلاحي معقول على نظام مقايضة الأجور، وتنظيم سوق المنتجات والخدمات.
ويعرض برودي النوع الخاطئ من البرنامج الإصلاحي، وهو البرنامج الذي يتألف من إصلاحات جانب العرض ذاتها التي فشلت في بلدان أوروبية أخرى. وحيث سيكون لائتلافه المختلط من المعتدلين، والاشتراكيين، والشيوعيين، أغلبية ضئيلة في مجلس الشيوخ، فعلى الأرجح لن يكون قادراً على تحقيق برنامجه الخاص غير الكافي. وإذا ما استمرت إيطاليا في فقدان القدرة التنافسية التي تتمتع بها الاقتصادات الكبيرة، فستكون هناك فرصة لظهور حركة شعبية سياسية تتميز بأجندة الانسحاب من اليورو. ودعنا نفكر فيما لا يمكن التفكير فيه، ونفترض أن هناك حكومة إيطالية مستقبلية تعيد استخدام الليرة. فما الذي سيحدث عندئذ لدين الدولة الذي يهيمن اليورو على جزء كبير منه، والذي يقف حالياً عند مستوى 106.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي؟ لن تكون عندها إيطاليا قادرة دون أدنى شك على خدمة التزاماتها إزاء المستثمرين بالكامل. وستعمل عندها إما على تحويل هذه الديون إلى الليرة بسعر تبادل غير مرغوب من جانب المستثمرين، أو تتخلف عن السداد.
ومن وجهة نظر أي مستثمر، فإن الانسحاب الإيطالي من منطقة اليورو يعادل العجز السيادي. وبالنظر إلى هذا الاحتمال، لماذا لا تبدأ الأسواق المالية بتوقع مثل ذلك الحدث؟ وفي الأسبوع الماضي جرى تداول العائد على السندات الحكومية الإيطالية لمدة عشر سنوات بنسبة أعلى بنحو 0.3 في المائة فقط من العائد على السندات الألمانية المماثلة. ويشير هذا التقييم إلى أن الأسواق لا ترى في الوقت الحالي وجود مخاطر عالية من التخلف عن السداد. لكن مما لا شك فيه، أنه حتى لو اعتقد المرء أن الانسحاب الإيطالي من منطقة اليورو أمر غير محتمل، فمن المؤكد أن المخاطر ليست غير واردة أيضاً.
ويمكن أن تفسر ثلاثة أسباب لتفاؤل السوق هذا. الأول، وجهة النظر القائلة إن إيطاليا يمكن أن تكون محجوزة داخل منطقة اليورو، ومغادرة تلك المنطقة لن يحل أية مشاكل اقتصادية. وتتجاهل هذه الحجة حقيقة أن التخلف عن السداد لا يأتي في العادة نتيجة اختيار عقلاني، إنما نتيجة الذعر.
ثانياً، الاعتقاد أن البنك المركزي الأوروبي سيعمل في النهاية على إنقاذ أية دولة عضو تعاني من التخلف عن السداد. ويمكن أن تقلل وجهة النظر هذه من شأن لجوء البنك المركزي الأوروبي إلى استخدام "قاعدة لا إنقاذ".
ثالثاً، حتى فيما لو قبل المرء سيناريو الحالة الأسوأ، فمن غير المرجح مع ذلك إلى حد كبير أن تتخلف عن السداد خلال مدة سندات السنوات العشر. وتوفر هذه الحجة التفسير الأكثر منطقيةً الذي بسببه لم تضع الأسواق رسماً أعلى للمخاطر على السندات الإيطالية. وتفسر أيضاً سبب كون أسواق السندات مؤشرات مبكرة، سيئة السمعة، على مخاطر العجز عن السداد. والمستثمرون راضون وقنوعون، إلى أن يبدأ الذعر.
وبعد نتائج الانتخابات الإيطالية، هل يبقى المستثمرون متفائلين بشأن السنوات العشر اللاحقة خلال فترة حكومة برودي؟ وهناك فرصة معقولة لأن ترتفع أقساط المخاطر خلال السنوات الخمس المقبلة. وأتوقع كذلك، ارتفاعاً في الطلب على مبادلات الإفلاس الائتماني الإيطالية، وهي أدوات مالية تتيح للمستثمرين التأمين ضد التخلف عن السداد. وكان على المستثمرين أن يدفعوا الأسبوع الفائت قسطاً سنوياً مقداره 21750 يورو (26350 دولاراً) فقط، للتأمين ضد التخلف عن السداد على استثمار عشرة ملايين يورو في السندات الحكومية الإيطالية لعشر سنوات. وهذا قسط متدنٍ جداً بالنظر إلى الشكوك السياسية والاقتصادية.
ولا يعتبر تبديل الإفلاس الائتماني من أدوات التوقع الطبيعية، إذ يتم تعويض مشتري تبديل الإفلاس الائتماني فقط في حالة تخلف إيطاليا عن السداد. بيد أن المستثمرين المدركين يعرفون كيفية وضع استراتيجيات تداول مربحة من تقييم غير متوازن كهذا. ولا تستطيع الأسواق المالية إجبار بلد ما على الخروج من الاتحاد النقدي من خلال المضاربة بالعملة، مثلما أجبرت بريطانيا على الخروج من آلية سعر التبادل الأوروبي عام 1992. لكن توجد طرق أخرى للمستثمرين من أجل استغلال صعوبات بلد ما في الاتحاد النقدي.
ولهذا السبب توجد أوجه شبه بين إيطاليا اليوم والمملكة المتحدة عام 1992. إن التزام بريطانيا السياسي بآلية سعر التبادل الأوروبي بدا وكأنه غير قابل للتراجع عندئذ، تماماً كما يبدو دعم برودي لليورو حالياً. لكن بريطانيا لم تكن جاهزة لا سياسياً ولا اقتصادياً كي تعيش في ظل نظام من أسعار التبادل شبه الثابتة. وعضوية إيطاليا في اليورو تستند إلى أسس مهزوزة بشكل مماثل. واستغرق الأمر من المستثمرين عدة أيام، قبل 14 عاماً، لكشف كذبة سياسية.






لا يوجد تعليقات